لسنا في الضوء

بقلم / احمد وهبي

تلك الموشّاة الضوء، تتكانَهُ تآلق الكحل بنجمةٍ تقرؤنا جراحاً منكَرةً لسائرين بهديها، يلثمون تواقد الماء وقد صخب بنزاع المسافات، فهٌم منذ طينٍ فريدٍ أفردوا فجرهم آنزمنٍ لعيونٍ مصحوبةٍ بقلوب حرى؛ فانشطر يمٌ بغواةٍ مطَريُّ عشقٍ وترحال، والرصائف تهوام واشمين واشين ﻷرواح تقيم صفحات الضوء؛ ففيه استراقات اليمام وشرانق المسرات؛ تحفظ أمثوﻻت الكبار، يوم كانوا أولئك الصغار يحلَمون بنا هكذا في الحياة، واليوم الآخر حين كبرنا، صرناهم وأساور الفلاة .. آصلات القيظ وقد غصّت بالكثبان حتى رحلة الشتاء والصيف.
وإذا بمسافرٍ بلا خيال، هاله الضوء صبيحة عادات بدنٍ مغطّىً بكامل الظلال، بشغفٍ موتورِ الحميّة، وفي شقوق النجوم عيون ترجو هذا البوح، هذا النداء لمقبلٍ كان ينحاز مرّةً للحياة، ومرّات لسفر ما وراء الحياة؛ فأشباه الضوء وقد تقلّدوا خطواتهم، تقدّموا بين خطيْ موتٍ سيكون وموتٍ خُلقِنا ﻷجله، فصناعة الحياة تجربة لهذا الموت… نحياه حتى كلمةٍ أخيرة في الماضي والحاضر، في حاضرة الوجود وقد أُشبِعَ بوﻻداتٍ يقضي أصحابها كلّما جاؤوا إلى الحياة، كلّما تفوح روائح مبدعين مودِّعين ليس إلى اﻷبد، إنما تآلف ﻹعمالِ حفّارين أناخوا كلكل التمارد… فسقط عن وجه الشمس ليس غير وجوهنا، ندور بها حتى تغيبَ، حتّامَ ﻷضوءِ أمطارنا ..؟ نمشيها بشراراتٍ مشرّدة وقد اضطجع فيها هجرات مُحمّلة الحواضر ..
والطفل اﻷول للوجود .. غريبٌ نام في الضوء، في الوقت بلا وقت، ثمة أساطير وملاحم يبكيها غلغامش، ولمّا يزل يجمع عن كلّ نملةٍ ظهر سيزيف، يذهب به إلى طفوف اﻷمصار المخبّأة في بلاد اﻷعاجيب، وأليس تروم حكايتها.
ونحن في حاضرة دوستوفيسكي نجتاح حواري دالي، تنجام المقهوربن، تكاسرَهم بيكاسو بألوان الجنون، ومقدار حبّهِ ذاتٌ فريسيّةِ اﻹنعتاق، وليس في تلك الواقعة ما بين نهرين ترياق، ما بين نهدين طفل ورجل يقتتلان ﻷجل قطرةٍ سقطت عن كأسِ سُقيا امرأةٍ تداعب مخيلة آلهة قدامى، يومَ جمعوا في عيدهم، كان الصوم .. وما خطْبُنا لا نبحث عن أجمل ما فينا ..؟ أسواؤنا نمشيها بفخرٍ واعتزاز، وليس الضوء ما يقطع من مسافات، بل كيف نقيم فيه وﻻ يجمعنا، ﻻ نراه .. لسنا في الضوء …!!؟
وحين هَمَّ لموته، أغلق لوركا على جلّاديه، والحلّاج فوق نصْبِ مُريدين نسّابّي السماء لجراح الرُّعب، وفوق الغيم رجل يكتب رأسه على الرمال؛ فعن هذا الصائخ بلا رأسٍ خليطُ لذاذة فرسٍ أحنتْ عليه؛ فقالت البرية عن سابقات العصور.. عصور الغدر والقهر، وأمام نزوع الهَصور فواجع الرعاة، أولئك، وفي تاليات اﻷنعام اغتمار لمطر من أقاصي بعيدة، تلك المحفورة بإبرة يسكن خرمها نور الشمس؛ فسجد اثنا عشر كوكب .. رأيتهم يا أبي، ماذا لو أنّني أجهلهم كي أكون في الرؤى …؟
وقد استغرقني اﻷمر موتاً تلو موتٍ حتى كانت الحياة لكلّ شيء، لعمر يطرق المرايا، أتخافتها حتى انبجاس سَريِّ الحنين. وكنت وحيدَ شقيقاتٍ خلعن تماثلي ﻷجل أخٍ إبنٍ وأب، يأبون كلَّ خوان؛ وفي هذا النيل طعنات ذوي القربى، مرحى لهذا اﻹبتلاء، كأنّي العاشق الوحيد وقد سكبت دمائي، سميّتها الضوء يوم ذبحٍ عظيم؛ ولمّا أزل منذ اﻷزل أوشِم الطلوع بعابدٍ هو اﻷوّل بي، بحامدٍ هو اﻷول الثاني بي، بعالٍ هو اللامتناهي، بزهيرات الروح وقد أثرن الوجود، زيّنَّ ما أكون؛ فأميس متآلهاً بمراس العاديات، واﻷقوام قبائل اﻹنكسار، فانبرى عن إفك المجوس أجمل ما كان .. تلك النجمة يتبعونها، وحين تلفّع بدو الغزو والسلب بقاصرات الطرف .. تمارت السبايا ورحن بفحولةٍ أسلمت نجواها لهواها، في هذه الهيجاء سقط المُرسَل، وانكسر الضوء، ونحن غضبٌ .. غصْبٌ اضطراري الهبوط، ثمة وجودٌ طارئ مغطّى بالندم، وأنّهُ لدينا هذا الوقت، هذا الضوء المُحنّى بأديم اﻷسلاف .. ولسنا في الضوء.