كلّما استعدتُ ذاكرتي

بقلم / احمد وهبي

.. بلا مُقدّمات، وجدتُ نفسي في الإلفية الثالثة بعد الميلاد. ولكي يكتمل الماضي، يجب أن يمرَّ صاحبُهُ بتجاربَ تختمرُ مادتُها في دِنان ثقافتهِ ومعرفته، تلك المُعتَّقة سلوكاً وتفاعلاً.. يوثّقُها لغايةٍ ورغبةٍ لا تنفطرُ مسافاتها الزمانية، والمكان كيفيّاتٌ جمعية متأصّلة، متواصلة بدرايةٍ أم لا…
كان التهجير الأوّل يومَ مولدي، والثاني إبّان الإحتراب الأهلي، حيث قادتني الأهوال والخطوب، بعد نجاتي من الإعتقال والموت بأعجوبة.. لطالما حكيت عنها. هاك، وجدتُني طالباً ومعلِّماً في آن. آنزمن، وبفترة وجيزة، كان التهجير الثالث.. وما اقترن فيه من فرحٍ وتوجّد، أهوال الحرب لا تستكين.
هناك، في الأرض السمراء، رجلٌ أقرب لسن اليفاع.. منه للرجال الكبار، والمسألة بامتلاك زِمام التجربةِ تمارُداً أثار حفيظتي، كيف أنا الإنسان الضعيف الصغير.. أواجهُ الأخطار والتحدّيات، أدافع عن الصغير والكبير بلا هوادة، دون التفكّر بنفسي. لعلّ لم أحْتَجْ لكثير جهد، هما أمي وأبي مَن ربّياني، من كوّنا شخصي وشخصيتي، أقع في الواقع بأبعاده وأعماقه الحياتية الإنسانية، إنّها رحلة التأدُّبِ الوجودية، بأحداثها وتداعياتها، بتماثلنا الخلّاق في السراء والضراء.
ولا قطيعة مع الماضي، هو مجرّد رحلةٍ عكسية، تبدأ من لحظة الحاضر.. عبر كبسولةٍ لا يتجاوز عرضها وطولها إصبعَ الخنصر، أو خيطاً رفيعاً كطيفٍ يتراءى في ذات كلٍّ منّا، أعبر بها ثقبَ الماضي.. لأقع في غدي المرتبط بلحظة كتابتي لهاتي السّطور. يا لها من غايةٍ لاجتياز الزمان والمكان.. بلحظتي الزمنكانية، الكاسرة، الحاسرة للخسارات الفادحة في الأرواح بزمانها ومكانها. الأماكن تلك التي نعودُها في غير زمان؛ فلا هي تُشبهنا، ننظر لحطامها وخرابها بأبنيتها العشوائية، بأناسها اليائسين.. الناجين من الموت، المقتولين في الحياة في مراياهم، في زمانٍ غير زمان.. لم يكونوا فيه، في مكانٍ لم يكن لهم.
كم طال صمتنا المتفجّر..!! فنزعنا إلى عاداتٍ تداخل فيها الموتُ والحُبُّ، القتلُ الفراغ الهذيان العصيان الظُلم الألم، الجهلُ والثقافة.. تلك الثقافة الضيرية. وليس الانهيار الإقتصادي، النفسي، الأخلاقي، الغرائبي، الغريب في الوطن. تفتح دهاليز الأوبئة على مصراعيها، تُصرع جهات المعمورة بلا استئذان. المتآلهون يقارعون المتوكّلين الصابرين العاشقين للأرض للحياة حتّى الشهادة. الشهادة يقين السعادة.. تأملّوا في ذلك يا معشر البشر…!!
رأسي كتابٌ مفتوح، بين يديَّ رأسي، حتّى الأشياء كما لو باتت تنتحب، لا غرابة، هي نحن، نرى دموعَنا فيها، هي الذكريات من صنع وجوهٍ ولقاءاتٍ وأشياء، نتشيأ استثناءً لصرخةٍ وكائنٍ وجوعٍ وعطش. نحتفظ بصورنا الأولى والثانية.. بكلّ الصور، نصير في أعماقها، نحاول أن نلبس وجوهَنا تلك، نحاول تبادلَ الأقنعة؛ فلا نلتقي.. خطّان متوازيان، نستدير بينهما تحت طائلة وسائل التواصل، تقنيةٌ.. أبجديتها تكشف عن عذابات أرواحنا، عن حصارٍ وقتلٍ ورعب، عن حفلاتٍ وسَهرٍ وفرح، عن توجّدٍ وقلق، عن عشقٍ لا يُحكى عنه، فقط.. أتبادل وإيّاهُ دموعَ الحقولِ المتراميةَ الأكُفّ، والذاكرة مثل متربّصٍ ودودٍ تارةً، وتارةً «جَحود».. تبدأ بقنص الأفكار. ذاكرةٌ تُطلق العنانَ لخيلي وليلي.
في هذا الغدِ.. انقلبتِ المعادلات على بطنها، على حالها، علينا، يأخذ الثقب شكلاً آخر، شكلاً بثقوب كثيرة لا متناهية، متناهية الصِغر، تفتحُ على الغياب، يضغط إصبع السبابة على زر الحاسوب، تنتبهُ الحروب السيبرانية، والحُرّاس القُدامى.. لا يتقاعدون، لا يحرسون، مجرّد صورة قديمة زمانية. هنا، برفقة الأبعاد، نقع على استجرارٍ لروائحَ أحببناها، ومنها، لطالما تُصيبنا بالغثيان، على مناماتٍ ظنّننا لن تعود. كان الوقتُ في ما بعد حصاراً لا يشبه تلك الكوابيس والهواجس. لقد تعرّضَ المستقبلُ لضرباتٍ مباغتة، والمفاهيم انقلبت رأساً على عقب، وسادت سيطرة رأس المال، والرؤوس الفارغة.. المليئة بسرابٍ شديد الأوهام، فإذّانا محاصرون في دواخلنا، ولا زادَ معرفيّاً للعقول، شكوكٌ مُتاحة وسوء ظنونِ ومُعاملة، وتلك العاجلة المُباغتة.. لا عِقالَ لها، انهيار أخلاقي غير موصوف. في ما بعد.. ونحن نرصُّ الصفوف، نتساقط بمرور الوقت، نتساقط.. والقصص تتهاوى معنا، التي نصيرُها بالأمس وغداً بلا ترتيبٍ أبجدي.
لغريبٌ، كيف أنا في الماضي، في الغد، والآن.. مجرّد حاضرِ يتجاوزَ الوقتَ، الواقعَ، الروائحَ والأشكال، نقع فيه على تخوم الأساطير، فيها، كلّما استعدتُ ذاكرتي.