غادروا

بقلم / احمد وهبي 

أنا السابرُ الوحيدُ دماءَهُم، هناك، حين غادروا، أقفز من تلةٍ إلى صخورٍ وأشواك، وأرفعُ عن وجهِ التراب، حُلُماً وقع عن خوفٍ ورُعب، وليس في جِرابِ الحصارِ .. غير كسرات خبزٍ يابسةٍ وثلاث حبّاتِ زيتون ..
حدّقتُ بصاحبهم، بثمنهم فوق لسانه، لا بأسَ يا عمْ، هاتِ ما عندك لأمٍّ مُرضٍعة ..
أيضاً، أذكر رصاصةً فلتَتْ من مسدّسٍ تحت الوسادة، مرّت قرب رأس طفلٍ ناجٍ، لكن، ثغرهُ اللؤلؤي، أعادَ إلينا الحياة ..
دمي الممتلئ الحكايا، ذاكِرَتُهُ، أرواحٌ .. معزوفاتْ، هوتْ
أناملُ الليل فوق صفحة الضوء، تُذكّرُني بقمرٍ .. تركتُهُ قبالة شرفتي هناك ..
هنا، أملأُ دِنانَ الأمل، نحتسيها الدنان، دندنةٌ يسعى بها النحل والفراشات، أمكنةٌ فَزِعِةُ النداء، والصُبح بعد صبحٍ، والصلح سيّدُ الأحكام، لم يكن صلحاً .. كافور العصر، ليس المُتنبّي عند ناصية جسر لندن ..
خيالاتٌ هائمةٌ عن أصحابها، ولأن الوقتَ قنّاص، خبّأتُ بعضي ومضيت، كان طابور النسيان مسافةَ شبح، وعين الجبين وسع الشمس، عين الكفِّ وسع البحر، عين الواقع أسيرة الموت، عين الكاميرا .. لا إحساس، لكنها، أطفأتْ من الخجل ..
سفكٌ .. حديثُ الولادة، سَئِمَتْهُ الطيور المهاجرة، هجرناها دُنيانا، لا تنسانا ملاعِبُنا، سهوب الربيع، وتلك القفزات السيبرانية المحشوّة النجوم، وبعض الأسنان الذهبيّة، كالضوء في ليالينا ..
وكانتِ الأوراق .. تنثال عن فيهِ الراوية، لأجلها السماء في قلب طفل، لأجلنا ننبش الذكريات، نقطف عنها ضفائرَ عسليّة، جدائلَ وعتباتٍ للإعتراف، وليست نافذة الكاهن، ليس سواهُ يُسقِطُ الخطايا، علاقة جدلية بين الأرض والسماء، بين العقل والروح، بين الحضور والغياب، بين العقائد كأضراس الجِمال، لا كائنات تجاريها حِقداً، ولا يتفوّق عليها غير البشر ..
آراءٌ كأمَةٍ صادفتُ يومَ المُبتغى أرباب النخاسة، أبَيْتُ أبيِتُ دونها، وأدراجي أسفكُها مثل أصابع اليد الواحدة، فلا يصعدها غير المُريدين، وقد خانتها أسراب العتمة الملفوفة الضباب، وقد خان الحَجّاجُ القبائل، وأطراف الليالي المبتورة، ينتظر أصحابها أطرافاً بديلة
وجهي في رؤى الماء، أحفظ مكوّناته، أخيطُ المسامَ بكلامٍ معسول، كي يشفى مثلومُ الروح، ويشقى حاسدٌ، ماجِدٌ في ضوئي يتراءى، لا يُسألُ ماجدٌ نبيل ..
وهويْتُ في حُلُمٍ قديم، جمعتُ أجزاءَهُ بريشة مُعلِّمِ بوذيّ، لوّنتُهُ بِحِنّاءِ وردةٍ حمراء، حتّى شهقتْ غيمةٌ تذرف دموعَها، نجمةٌ تختلس نظراتي، رعيْتُها حتّى اكتملَ طيني فيها ..
التي إسمُها حبيبتي، حين غادروا .. صار المكان كئيباً، والزّمان فرطت سُبْحَتُهُ، وانحلتْ أزرارُ الحديقة، ولم تَعٌدِ الدُّنيا صديقة، وحيدةً ذهبتْ بعطفِ الأهل، بأعطاف قمحي .. نُباحُ محتَرِفْ، فأرفقت تحت الطابع البريديّ نكهةَ فمي، تعودُني قبلاتُها بلا وسائط التواصل ..
عن رحِمٍ معطوفِ الحِبرِ، نقطةٌ تصير كتاباً مفتوحاً على الحياة، منديلاً مطرّزاً بحرفيْ مجرّتين، كلّما لاحَ لمسافر، كلّما ضحكَ في جيب الجاكيت الخارجية، كلّما ضحكتُ لوردةٍ .. استضافتني لألف عام ..
بعد آلاف الأعوام، وصلتُ هُنايَ، وهو هناك، بيتي لا يُمحى، لا يعرفون عنه، عن رائحته، عن طينه، عن أطفاله، عن حكاياتنا، وتلك النجمة كعِقدٍ حول رقبة هرّةٍ، شرَدَتْ، قضَتْ يتيمة ..
نحن، وقد سمّتنا الصلبان، رُفِعنا على أعوادها، تبريها الدّماء، أغاني الصيادين، حِداءُ عابري الكثبان، خطوط النّارِ .. غريبة، رَهْبَتُها محفوفةُ البركات، أرميها بقلبٍ عاشق، بسحر عينٍ زرقاء، بدمعةٍ خلف خطوط النّار، حين عبرناها، كنّا الفرائسَ الآدمية لمتوحُشين فوق عروش الجماجم
يا ذاتي المشغولة بخيطان روحِها، وقد شبكَتْ روحي ما قبل الوجود، والحمام الزاجل، تناثرت عنه بعض رسائلي فوق قرميد توسكانا، فقبضتُ على بعضي، وخيالي .. يحاول من يخطفُهُ، ولم أكن سواي .. أسخبُ من بنات أفكاري، عِشقاً، سأظلّ أرعاهُ كأبٍ صديقٍ رفيق، كعاشقٍ حبيبٍ رقيق، كناسكٍ مجنونٍ يرتضعُ اعترافات المساكين ..
وما زال الذي يكتِبُني في خلايايَ، أبحثُ عنه، في دليل الواردين إلى دمي، إلى شفاه العذارى، وما زال يوسُفَ في السبع العجِاف، وقد صارت آلاف السنين، من ذا يُنقِذُنا من قحط نفوسِنا البائسة ..؟
الذين غادروا بلا نقوشِ وأسماء، سوى وجوهٍ افترقتْ عن حضنها الدافئ، سوى أولادٍ يجلبون الماء من قسطلٍ فاصلٍ بين المتقاتلين، كم ولداً سقط في مائه ..؟
هناك، وأنا مبنيٌّ على حواسٍّ مفطورةِ الظلال، تُظَلِّلُني هناك، لأجل مقبلين من مائي، من صلاتي بآلاف الأرواح، تتمايزُني فلا أقضي أبداً، أحيا أبداً، ولي آفاقُ الأنفاسِ، أمداءُ الأصيل كمقبلٍ كالربيع ..
آبٌ صعتريُّ التلال، ولأنها المقبرة الجماعية، خُتِمَتْ بالصعتر الأخضر، وأحمد العربيّ يرِدُّ لحمزةَ كبِدَهُ، فلا تُقَرّعُ امرأةٌ أشتهِرَتْ بآكلة الأكباد، ولا تكون كربلاء كما وقعت، وحفيد الرسول .. مُعلِّمُ الأجيال، فلا مذاهبَ يقع في توهتها المؤمنون ..
قاتلون، فتحوا آبَ بالنيران، وليس لاهباً، لكنّهُ بركان أيسلندا، لكنّه غريب كبائعِ الأموات، أتبعُ زمرةَ دمي، وتلك الفصائل، التي ستأتي في ذلك الصيف الأخير، وقد مرّتُ الرياح بأعضائي، بمِدادي المشلوح .. لكنّهُ يُقاوم صوري في الصّحفِ، على الحيطان، في الذاكرة، صوري في المجازر، آه .. أذكرُها تلك اللوحةُ الكبيرة، وقد أسميٌتُها الحياة ..