غابة ماريجوانا (2)

أحمد وهبي

… هكذا، وبلا مُقدِّمات، وجدوا أنفسَهُم في غابة ماريجوانا. كيف استُحضِروا إلى هنا، لا يدرون…!!؟
دراميّاً، تبدو المُقدّمةُ اقتباساً لقصةٍ أو فيلمِ هوليوودي. وبحكم الواقع، أراني مشاغباً، أستحضرُ تداخلاً مُغرَقَ النزعةِ والأفكار، والحبكة الكاريكاتور، أتوسَّمُها خاليةَ التعقيد والضغينة، ولا بدَّ من الإرتكاز على شخصيات الحدث، تتضاعف أدوارُها في الخيال.
الخيالُ، جِنِّيُ الإبداع، مازنُ المَلَكاتِ، ميتافيزيقيُّ التصوّرات، شغوف الأنساق الأدبية، لا يُحَدَّدُ بمكان، يغدو ذات الكاتب اللامتناهية، يترامى تخييلاً، إيغالاً وانفلاتاً في طوايا السردِ ومواجعه، لا يألو انشغالاً، حفراً في ذات صاحبه، كي يبلغا اشتعالاً كثيفَ التوهّجِ بظلالهما؛ وقد أفردا نصَّ الحكايةِ، تداخلاً وتشابكاً، أيّ جهدٍ يبذلا كي يعترفَ الواحد للآخر، مَن هوَ هو، ومَن هو ليس هو…!!؟
هي كذلك، حكاية الخَلق ما بين الواقعي والافتراضي.
لا تقلقوا، صوتٌ صدرَ من خلف سحابةٍ، يخالها المرءُ شاشةً عملاقةً توسّطَتْ فضاءَها بلا منازع. كان عصيّاً عليهم أن يستوعبوا وقوعهم هنا، وقوفهم، لا يملكون دفعاً لقدرةٍ غير منظورة.
حين شخصَتْ عينان لتوّها، تدوران مثل كوكبين باتّساقٍ مداريِّ النظرات، كانت وجنتان تتشكّلان عن ألف ليلةٍ وليلةٍ لشهرزاد، وشهريار يُفكّر، لذا تناولَ ليلةً أخرى، ولأنها تحتاج لشخصياتٍ غريبةٍ عن بعضها البعض، ضرب بفكرته في الأعماق المجهولة؛ فأينعت غابةَ ماريجوانا، وألقى بهؤلاء.. بلا مبالاة، ربّما للقاءٍ عابر، لاقتصاصٍ ما، لغايةٍ في نفسه.. لا ينفكُّ يقع فيها على شهرزاده، حبيبة الليلة الأولى ما بعد ليلةٍ وألف، حيث وقع في حكايته، لا يشاء عنها افتراقاً.
ومن حيث لا يدري، وقع على تطبيقات وسائط التواصل، فكان يهجس بهم، يذهب إليهم مختاراً لسهرةٍ ماريجوانية بامتياز. مفارقةٌ غريبةٌ عن أصل الحكاية، لكنها، حكايتُهُ المُجتَرحةُ من شقائق شهرزاد، يحرصُ أيّما حرصٍ على رغبةِ انوجادهم في الحكاية. غايةٌ يلجأ إليها، يكتبها بلسان الطير، يحكي في تندُّرٍ عمّا كان، عن حكاياتٍ كثيرةٍ سوف يؤلّفها، ولسوف نقع عليها بعد ألف عام، ولا نجهل حقول الماريجوانا الشاسعة، وإن دهَمَنا النكران؛ فهم، نحن، في تطبيقات الألفية الثالثة.
تُجّارُ الكيفِ، المُهرِّبون، المُرتشون، سحاباتُ الأصناف، استعارةٌ لأراجيز الغياب عن الواقع، والمقذوفات الطائشة، تلاعب الرؤوس الحامية، طوابيرها.. يومياتٌ وليالٍ حمراء سوداء صفراء، لا خُضرةَ فيها. الأوردة مُعبّدةٌ بالهلع، باحتمالاتٍ مفتوحةٍ على اللاشيء بلا عطفٍ أو جرٍّ أو جزمٍ أو نصبٍ ورفع، هي، هكذا، بلا انقطاع، تضخُّ جرعاتها من الطفولة حتى الكهولة، وهي حِقبٌ بطقوسٍ ملتهبة الأفكار والنظريات؛ وقد اختلط فيها الممنوع باللا… ثمةَ صمتٌ مُشرعٌ على الفضائح، تلك، المجلات، تطاردنا حتى في المنام.
لو كان لي.. لشكوتُ كلَّ مؤلّفي قصص العشق والغرام لمحكمة العدل الدولية عن الظُلم اللاحق بنا، نحن أجيال القرن الماضي، لقد خدعتنا الرومانسية، سُلِبنا العقل.. وعن سابق إصرارٍ وترصُّدٍ، وتهنا في عبثية الوجود، حتّى الخيال.. وقد سلكَ مجاهلَ محبوكة الصنعة، في البداية سوبرمان.. هذا الرجل الخارق سلبَ رجولةَ الأقوام، ولم نَعُد إلينا، حتى وقعنا على مجلات السكس، ومباشرة في القصص المُحًرّمة، خلالها رُحنا في أحزابنا، تفتكّ بنا تلك الحبكات العجائبية، وكلّما لجأنا إلى العقل.. نُفينا أكثر، نشاهد ابن رشدٍ وسينا والفارابي والمعرّي.. كيف زُندِقوا، بالأحرى كيف زُندِقَ العقل، وحُرِّقَ حتّى الخيال…!!؟