طفل الفصول

بقلم / احمد وهبي

لغريبٌ كيف كان الطفلُ عنّي يستشرف الرجلَ الذي سيغدو عليه ..!!
كبُرَ الطفلُ، وغدا باكراً في معمعة الحياة. هي الدّنيا بأُمّها وأبيها؛ وقد أسرجتْ خيول الحرب، قرعت طبولها، وارتدتْ لامتَها.
… بعد وقتٍ .. لستُ أدري كيف الوقت مرَّ بسرعة الضوء ، وجدتُني في صحن الفصول الأربعة .. الصيف، الخريف، الشتاء والربيع، وعبارة الصحن محورية في الموضوع، كونَ الفصول وقد أُلقيَ بها في خلّاطٍ أشبه ما يكون بماكينة المولينكس المشهورة .. ذات الإختصاص بطحن اللحمة والخضروات، واستخراج عصائر الفواكه بما لذَّ وطاب من المشروبات. لكنّ وقوعنا في صحنها وبخلطةٍ واحدة للفصول، تذوّقناها مُرّاً علقما، واجتاحَ حصيرةَ وجودِنا وحوشُ الأساطير، تلك الحكايا، التي لم نُبالِ بها، أو نأخذها على مِحمل الجِدّ.
في تالدِ الأيام والأعوام، في توهة الحياة وتوارد الخواطر، يخطرُ لي على بالْ .. أين أنا من أماني ذاك الطفل آنزمن، وقد رحلتِ الفصولُ والمواسم تبدّلت، رُخنا فيها كجنودِ الصرفِ والنحو، لا يستقيم لنا من صروف الدّهور زمنٌ ما، ننحو فيها شتّى جبهاتٍ مفتوحة لأمراضٍ واعتواراتٍ جمعية، تنوء بها مجرّات الأكوان.

كنتُ، وقد جمعتُ الورى في كلمةٍ في صفحةٍ في دفترٍ .. نالتْ منه صُفرةُ الرّياح، أباطرةُ الإحتراب، كهّانُ الأصنامِ، وبعض ندوبٍ شقّتْ ما بعد بحيراتِ النجيعِ .. السّحابَ حتّى ضفافِ طوابير الماء والكلأ.
كانت التفاتةٌ يتيمة، حين برَقَتْ أنفاسٌ تكدّستْ عليها أطنان الكواكب المُحطّمة، انفجاراتٌ تظلُّ تُعيدُ انفجارَنا؛ فلا نروح عنها تقاذفاً وراء السُنن والأحاديث، ونواطير الأسماء .. نالت منهم أسماؤهم، لا شهودَ على الألوان، تعامَتْ وتغامت عنها الليالي والأسحار، وسكنت الذكريات غير ديار.
منذ اليوم الأول .. للذبيحة الأولى .. للغراب ينقر رحم الأرض، وقد غلبَ عليه لونُ ريشهِ الأسود؛ وهو مُعلِّمُ قابيلَ، وقد خضع لدم أخيه؛ فركَزَ في قماقم عربات الذباب، في أقماع القمم، هناك، يتقبّلون تحت عروشها العزاء.

حين تتنافح الفراشات لهيب القناديل، تكون، ترسم خطوطَ اللارجوع، وبأنّ جنوحها لاحتراقها، لربّما معرفةٌ نجهلها، لربّما وعيٌّ في اللاوعي .. يتداخلها، كي نُعمِلَ المنطق في مختلف أيِّ طارئٍ متحوِّر.
أرواحُنا، التي، هِبةُ الحياة، لموعدها المعلوم يقيناً، تسافر في المجهول، والرّغبة الغالبة المتنامطة البلوغ لخلودها، وكما للغيب مفاتيح الجِنان، للأرض، للوجود ينابيع المعرفة، للحُبِّ انجذابٌ فطريٌّ لقلب الكمال. لا قرارَ للحُبّ، هو إحساسٌ .. لا إرادويّاً يتمكّنُ منّا، يتملّكنا، كان، ويظلُّ حدوثاً أبديّاً مونِعَ الإبتذارِ لذاتهِ، لتساكُبٍ وتساكُنٍ .. لقدرةٍ ساحرةٍ خارجةٍ عن الإرادة.

عن حُمرَةٍ تُدغدِعُ تكاثُف الماءِ في عناقيد أوردته، في ليلهِا ونهارهِا تحثاثْ هامسٍ متجدِّدٍ قلِقِ التنابُهِ، التشابُهِ الإنشداد لروعة اللحظةِ تلو اللحظة. لطالما، تتعانق وأمشاجَ الأكوان، في نيرانها بيارقُ التكاونِ .. التشكُّلِ حتّى انفجارها لتكوينٍ آخرٍ وآخرٍ سرمديّ. عن هجوع الشهوات في سهوب انشطارها، انفطارها، اغتمارها لماءٍ يُعيدُ مكوّناته لاستمرار الحياة .. لأنّهُ الحياة، لا يكِلُّ عن رؤاه لكائنات ذاته، لهاتي الأرواح والأحلام.

كان يجيءُ إلى نفسهِ غداُ، لعلّ يقعَ على غيابٍ سيقع فيه، وكان واقفاً عند حُمرةِ الشفق .. يحرسُ عيونَ المنامات، في يقظته تسرحُ مخلوقات الغسق، يمنحها أسماء أنفاسه، تلك النضّاحة البرّاقة الثيمات، وبعض أزرارِ الأسرار، ينحلُّ إزارُها لفتنةٍ في مهبِّ الإغواء، حيث أصوات تترقرق فوق صفحات الحِبرِ، كان لوناً قمريَّ السماء، في تلك الليلةِ استدعت فيها الأمصارَ؛ فانقلبتِ الأرضُ رأساً على عقب، كانت قيامتها وعلى أجنحة الرصاص أطفال رحمِها؛ فقد صدَروا من أعماق المهود، وفزعوا ليقين الوجود، لا يُخمِدهُم موتٌ، لأنّهُ البداية الأبدية.