جدارية الزمن في وقدَةِ الأعواد

أحمد وهبي

… لا تخمينَ، إنّهُ الحاضر لذاتِ كلٍّ منّا. الحاضر نقطة ارتكازٍ للغد. كونَ الماضي ماضياً، لا فعلَ فيه لمُتَغيَّر، لكنّهُ التراكُم لهاتي اللحظة إيحاباً أو سلباً. الحاضر بإرهاصاتهِ كافّة، بحيويته، بإيحاءاتهِ المختلفة، جلُّها تساوقٌ للحظة التالية. لا ضيْرَ في تعريف الحاضر مزاجياً، لأنهُ الواقع المفتوح دائماً على جميع الاحتمالات، وهي جبهة واسعة من التأمّل والحركة، التناقض والتوافق، قاعدته ومركزيته، هو السؤال بحيثياتهِ المتعدّدة، كونَهُ الفكرة، والأفكار تحتاج للتحقيق والتنفيذ، ولها قدرة الإنفجار إن حوصرت بأغلاق التحريم والحديد، فيها تتدافع المراحل بكتلتها البشرية هيمنةً، تغييراً، تعنيفاً، انفلاشاً وتعسكٌّراً، تحضر خلالها أدوات الترهيب والترغيب؛ فجرى مصطلح القطعان عن قهريةٍ متغارزةٍ في الوعي حتّى الأعماق.
للحاضر، صور الماضي والمستقبل، لا غرابةَ، ثلاثُ حلقاتٍ مترابطة عضوياً زمانياً مكانياً، حلقاتٌ حوائطها أنماطٌ، أعراف، إغراقٌ قديم النتائج. نتائجٌ متجذّرة، يُبنى عليها لرسم ملامح واضحة التعبير، ملامح عميقة الأحلام، وهي الحياة .. تصنعنا، ولا نفوز بغير صنعة الموت، باحتراف خيوط الحرير كما العناكب. فتيات وفتيان الدّهشة، يعتلون الهواء على رقصة الأرواح، يضعون لأطياف الشموس أسباب الغياب في العيون. في ساعات اندلاق القلوب عن مخادعها، تحاول ضبط حركة الخطى. وحين تبدأ الحكاية، تتناثر تلك اللقطات الناطقة، على جنبات المواعيد مواعظ العشب، وما وراء العتبات كلماتٌ ملفوفةٌ بذاكرةٍ بلّوريةِ الدّموع، حين وضِعَ بعضها في قارورة كُحلٍ، ضربت الفتنة نواحي الأزمان، وتوالدَ في تياراتها أممٌ اجتهدت في قتل ذاتها.
هاك، تآلفت أكوان الأرض بدماء أبنائها، وفي وقدة الأعواد .. أحمال المُتعَبين، أسفار الشياطين فوق ظهر الحمار الأول لسلالات الحمير في تالد الأسفار. ثمة حكايات لا تكتمل، وهي ليست لتكتمل ولو بقرار، لأنها من أدب الحياة، من هذا التمسرح الهائل، من ذاك العبق خلف أبواب الغدِ، لا تفتح بغير رغبة، رغبتها طِباقٌ وجِناس، أحياناً، جارٌ ومجرور، أيضاً، رفعٌ ونصبٌ وجزم، حالٌ بصفاتها وبما يُبنى عليها. تاريخٌ زمانيٌّ، فيه الحدثُ والمِزاج والملاحم، والأهمّ القدرة على التجرّد من الشخصانية.
الدّنيا، ذاتٌ ناقصة، معلولة ومعتّلة، لا يستقيم لها حالٌ أو بال، أوقاتها لذاتها، كما لو لُذاذاتٌ على طبق لاءات، هكذا انصاعت قِممٌ لخسرانٍ مبين، ونفشت فيها أصواف الأقوام، والسنون العجاف أطاحت بالأعوام السِمان، صارت حملاتٍ إعلانيةً أو دعائيةً لماركات عالمية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفي المقدّمة والقلب والمؤخَّرة، فيها انشقّت أشداق البيانات، وفيها انزاحت الأقوام عن عوالمها، في هاتي الوهِاد كبُرَ المُغيَّبون، كأنّما حِيكوا بغزْل الأجداد، بنوْلِ أمهاتٍ ساحرات .. بلغن سدرةَ القيامة، تلك بدءُ الكلمة.
تلك الصور الحياتية، يجِدُّ الباحثون فيها عن ترياقٍ للزمن، لكن، لا فائدة، جموع الكائنات أسيرة لعبته، لعبة الزمن المُفضّلة. ولأنّهُ الوجوه والأسماء، الأعراف والعادات، لأنّهُ فعل الحداثة للنحر، ما بعدها كما قبلها، اللحظة القابضة المتكاثفة السرمدية المراحل، الواصلة للأفكار بدلاليّةِ الإتجار بالجنس والرقيق والأطفال والأعضاء، تسليعٌ موغِلٌ في القِدَم، في الحاضر وغداً، حقيقيةٌ وسخة لا تَنْي تتمظهر في السياسة والاقتصاد والاجتماع، بدائيةٌ يُكشَفُ فيها عن أطراف الوجود، والمظاهر تحتملُ هرطقات ممثّليها وموظّفيها، حقيقةٌ تقريرها الصادم في .. ما بعد الأديان، مشاهد فسيفسائية تُكتَشف حيناً بعد حين تحت الركام والحطام والأنقاض.