تلك الشُّهب .. مدارج العصافير .. !!

بقلم / احمد وهبي

… موانئ العالم، عند ميناءِ وآخر، دمعةٌ لي وحكاية، طوال عقودي، أجمعها بعقد الزّمان، لي أكواز ٌ من طفولة الصنوبر وصِبا الرُّمانٍ، بسمة وقُبلة عند حوافي الشطآن، والميناء الأخير.. هُناي لمجرّد إنسان، هنا حيث شمسُ قلبِها وروحِها، لي، تلك السُّهوب السنابل، ومدارج العصافير، تلك الشُّهب، أُقالِبُها، تلك المرامي والنسور، وبعض الهوى جراحي وبيادري، بعضي بضعة الفؤاد والنجوم، وبوابات اعتصامي، عتبات المُناجين والحنين، ولستُ بناجٍ في دُنياي، وليست أُمنيّتي، سهوتي الوجودية، نجمتي الوحيدة، قلبي المنهمل الآهات، ألَا .. سلامٌ على خيالاتنا كيف تحيا وتموت، ثمّ نحيا لأجلٍ مُسمّىً لخلود.
لي، مسافات لسوف أقطعها، ممسكاً بذؤابات أثواب أمي، أقطف عن ثوبها زراً لاكتمال عامٍ بأزراره، لي أن أذهبَ سادراً تلك الشُّهب المُحنّاة، أن ألوّن نهاري بأصباغ المجرّات، بتلك «الوِذرةِ» الدَهان، وما ينهمل في الفنجان، يُصيبنا بالولهِ والدّهشة، بالأمل والوحشة، بالهلع والغاية.
وفي انحناءة الأنامل، ريشةُ العمرِ، تنشدُ صوتي، تشدُّ أزري مراغمةً لرحيلٍ قسريِّ النجوم والكواكب، وهاتي المواكب، قلوبنا المُفخّخة، ليتها تنفجر بمُسَببّي الويلات، وقد صارت أبدان الخيام بالية الخيام، لائذوها، نظراتهم الحزينة المديدة الوحيدة، تُقرِؤنا دمنا المهدور، انحدارنا من خارج سفينتنا الفضائية المُسمّاة – الأرض ، احتدارنا الأزليّ من .. وعن غبار النجوم.
هنا، عند السماوات المعتّقة، عند العتبات، عند الصائحين، الصائمين، الناذرين، المتشابهين، الهارقين نجيعَ النبيذ، وقد تكامل القاتل والقتيل، اللذان بينهما وجهي، وعلى وجهي وجهٌ بآلاف.. لإيلافِ الغاوين الغازين أرحامنا الأولى؛ فأصابنا السُكْرُ، وأثخنتنا الدعوات والفتوحات، وراحت الشعوب ضحايا فتاوى البلاط؛ فلا ندري، أمؤمنون نحن أم كفّار…!!
وتلك الأدعية المطَريِّة الرغبات، على وجه الشمس، تقينا حرَّها كلّما نشرنا كتابَ مفاتيحها، كلّما احتدم نقاش الأعدقاء، وغزا الشيب العقول، وارتخت الشّفاه، وتدلّت ألسنةُ المؤمنين والنيران، تلك، التي احتراقتنا بإمعانٍ، بإنعامٍ وإصرار، وما زال هُدهدُ سليمان، يُخَبِّرُ عن سبأ، عن شُهُبِ جمالها وجسدها، كلّما كشفت عن ساقيها لتعبرَ سديم المرمر، وجِنِّيُّ اللحِاظ يأتي بمٌلكها.. فقالت آمنتُ، وسليمان يشكر.. لا يكفر، هناك في وادي النمل، تخاطبٌ وديٌّ، قالت ملكتهم، إدخلوا بيوتكم لئلا يحطمنكم جيش سليمان، فابتسم ابتسامة الشكر والرضى، وقد انقلبت الأدوار ذات ليلةٍ وضحاها، وانكسر ميزان العدل والحسنات؛ فأفصحت بطون الأرض عن فواحش العصر، والأعشى، كما لو يرى، يهزُّ شجرةَ مريم، كي يردَّ عليه طفلُ المُعجِزة البصرَ، كي نعبرَ الثقوبَ السوداء، لربّما نصل الحيوات، تلك العوالم، أو نكون رمادَها.
وأنا، في ذروة هذا الإحتشاء، أحتفي باختفائي على مقام سيكا، أو على البحر البسيط، أو الأبيض والأحمر والأسود، والأخضر بحرٌ في البحر من طحالبها، وما زلنا اغتناماً لنهبٍ وسبيٍّ، لماءٍ وكلأ، لقرون الأبقار والغزلان، لأنياب الفيلة العاجية، لقرون جامعةِ القرون.. في ملاعب إسبانيا، ثمة هياجٌ واهتياجٌ ثيرانيٌّ وطني، ثمة ألقابٌ تهالكت وتتهاكل، أصنامٌ مؤلّهة، ثمة غضبٌ يتشاهب، وتلك الشُّهب، نُذٌرُ السماء إلينا، ثمة ابتسامةٌ أخيرة، عينان ويدان، تحملان، ترفعان شُهبَنا لئلا نضلّ الطريق