الأسودُ والأبيض متساويان

بقلم / احمد وهبي 

… ليست حكايةُ كُلٍّ منّا يتيمة، هي معقودة الأواصر الإنسانية كحبلِ السُّرة، تستمدُّ الغذاءَ الروحي النفسي الحياتي. وقد مرَرْنا بصور الفواجع، لست أدري لِمَ هي بلا ملامح .. لا يُحكى عنها ليلَ نهار لإظهار الحقِّ وتثبيته، كأنّأ مقابرُنا الجماعية الخالية الرخوة المُغَيّبة
علَتِ الوجوهَ مسحةٌ من دقيق الجلود، وقد تنافرت لحدثٍ مضمَرٍ في الوعي، قد .. وأخذتنا الخطوب إلى مفازاتِ متهالكة، حيث لم تترنح لكناتُ الأرض، والأجساد الهائمة ارتدَتْ ثراها، وانضوت تقارع غربتَها في الوطن، تقارع قهراً طويل السلاسل والسلالات.
هناك، ما وراء الدّماء، ضفافٌ وحشيةُ البراري، داخل خلاياها عروضٌ مجهولة، تفاصيلها، نقترفها في ما بعد، كي ندوّنها، وحين تتجسّد أمامنا، نكون أمام بحثٍّ ذاتيٍّ مرير، لأنّهُ الوعي الغائص في شبهاتٍ متعدّدةِ الاحتمالات، كلّها تقود إلى المطرح الأول، لغرض جمع العناصر المُشظّاة، لغزل قصص الوجع بجماليّةٍ مطلقة، كلفتها بسيطة، صنّارات دبوسيّةٌ وخيطانُ صوفٍ جُمِعَتْ خلال سنين لم تكتمل عقودها.
في تلك الطفرات، عروض التدمير، تأويلاتها الفردانية لوحاتٌ متكاملة الأمزجة، تتقاطع فيها المفاهيم والاختلاف، الملابس والمأكل والمشرب، الهوُيات، التاريخ والعلاقات، الأعراق والأجناس، الدّين والدَيْن العام والخاص، الطبقية والعنصرية، الحرمان وحقوق الطوائف والمذاهب، لكن، لا ذِكرَ، لا ملمحَ لكلمة إنسان واحدة.
لكنّا شركاء حكايتنا الجمعية، نُسقط عليها واقعنا وقصصنا، فلا يقع الفصل ما بين العام والخاص، المناقشة والحوار يتجلّى فيهما أبعادٌ مختلفة ذات مضامين مختلفة، فاختلفنا إلى إخفاقاتٍ ثقافية، وتفاعلٍ ممسرح مجرّد من الفكرة والصورة، ليس غير الألم، فقط، لأنها الحداثة ما بعد حداثة، من ذا يعقِل هذا التقليد، ويعيد التفكير في ما آلت إليه الحياة ..!!
اليوم، وخلافاً للعقائد والثوابت والمبادئ، نحن، أُمّةٌ تبحثُ عن اللاشيء في اللاشيء أو الوهم أو السراب، ولنا تضحياتٌ جِسام تسدُّ عين الشّمس، ولأنّا نفقه في كلّ شيء، لا نعقل أو نعرف أيَّ شيء، لا بل عراضات إعلامية بلا جدوى وطائل. وهي مآزقنا الوجودية التابعة لشركات الاحتكار المختصّة السلب والنهب والفساد والاستبداد، وانسجاماً مع فطرة الإيمان، يجري علينا إسقاطات دينية هائلة التحاقد والتنابذ حتّى القتل.
ولأنّا لا نُحِبُّ، لا نعرف الحُبَّ، سنظلّ نجترّ بؤسنا، سنظلّ نتصدّر الخبر، ونُصدِرُ قرارات واهية، زاهية الإفتاء، ذات أبعادٍ سياسية متهالكة السردية، شخصانية مقيتة، نقفز فيها عن أوجاعنا الحقيقية، تلك، التي تبدأ في العقل، ولا تنتهي سوى بانكسار مرآتنا الجمعية، حينها تتشظّى حكاياتنا، تضيع هروباً لأجل أناسٍ لا دينَ لهم، لا يقين، نعيش استلابنا الحضاري الوجودي لمزيد هرسٍ وفوضى هدّامة.
أوجاعنا، ذات طابعٍ إنسانيّ، ذات جاذبية لقرونِ خلت، ذات عقائد محدودة الأنا الجمعية، كلّ إناء ينضح ليس بما فيه فقط من مرارات، بل بعصبياتٍ عمياء دهماء نالت وتنال من وجودنا الحقيقي، ولأنها ركيزة الجهل ونقطة الانطلاق، يجب كسر هذا التابو المقيت. منذ مائة وخمسين سنة مضت، رأى فينا الغرب، أنّنا أٌمّةً تتمتّع بلغة واحدةِ وثقافة، بجغرافية واحدة، بقدرات هائلة، والنتيجة مؤلمة، احتلال واغتصاب، نهبٌ، تمزّق وتشرذم.
والسؤال، هل نستطيع التغيير، كي نروي قصصنا وحكاياتنا الحقيقية الإنسانية. قصص لو جُمِعَتْ، لكان شريط أوراقها يدور حول الشمس بنهارٍ واحد وليس خلا سنة أرضية. ليكن كلٌّ مِنّا صوت الآخر فيه، لنبذ العنف والقهر والجوع، لكي يأخذَ العقل دوره الرؤيوي، لخلق الإبداع المغمور في دواخلنا، في خوفنا، في توترنا، لكي يُكتبَ التاريخ بحروف ضياءٍ ونور، فلا نجهل موقعنا فوق البسيطة، لأنّ المسألة ليست بسيطة فحسب، بل حان أن نستيقظَ من سُباتٍ متكهِّف، ولأن الأسودَ والأبيضَ متساويان، متعادلان، لربّما يشكلّان نقطة انطلاقٍ في هذا التضخّم المخيف والمرعب.