وطن يسبح الى المجهول !

ودعت لبنان ، وعاصمته بيروت على مشهد  الأمطار الغزيرة التي خنقت شوارعها وزادت من زحمة السير التي تأتي في طليعة الأزمات المستعصية في الوطن الذي لا يمكن احصاء ازماته الكثيرة.
وما زاد المشهد كآبة هو منظر النفايات تسبح في الشوارع والأزقة بعد ان عجز المسؤولون عن تسوية هذه الأزمة منذ بداية الصيف.
مشهدان ظاهران في الشوارع اللبنانية يعبران عن عمق المأزق اللبناني  حاليا والذي يتجه على ما يبدو الى مزيد من التآكل والاهتراء.
طبعا يوجد  مشهد للحياة في بلد يظن من لا يعرفه بانه يحتضر. المشهد يتلخص بقدرة اللبناني على التكيف والصمود ومحاولة ممارسة فعل الحياة مهما بلغت الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.

اما في السياسة والشأن العام ،  فيبدو ان لبنان يسبح الى المجهول،
فلا شيء في الأفق يشير الى إمكانية حل أزمة الرئاسة باختيار رئيس من الأقوياء او الضعفاء او ما بينهما . ولا شيء يشير الى إمكانية تحريك العمل في مجلس النواب الذي أصابه الشلل تزامنا مع فشل الانعقاد لانتخاب رئيس .
وحكومة الرئيس سلام ليست بأفضل حال ، فقد اصابها الشلل وأصبحت بحكم المستقيلة ، اي حكومة تصرف الاعمال الى اجل غير مسمى.

وسط كل هذه الأجواء المأزومة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هناك من يتشبث بالبقاء في وطنه ، منهم لانه مؤمن بلبنان ولا يريد مغادرته ومنهم المستفيد من الاوضاع كونه من الطبقة المحظوظة القريبة من اكلة الجبنة.
اما السواد الأعظم من اللبنانيين فقد كفر بلبنان وبالمسؤولين فيه ويتجه الى الفرار من البلد على طريقة اللاجئين من الدول المجاورة التي تشهد حروبا مزقتها وهجرت شعبها الى العالم.

اكثر ما يؤلم في المشهد اللبناني هو ان الكل يريد ان يأكل الكل ومن دون أية رحمة . وأكثر الناس عرضة للنصب هم من المغتربين الذين يحاولون القيام بأعمال تجارية في لبنان ، فمهما بلغ ذكاء المغترب وحذره لن يستطيع ان يفلت من الشباك الذي يلفه المحترفون بالاحتيال حول كل تحرك يقوم به الى ان يدفع لكي تسهل أعماله.
ولو سئلت انا اليوم كصحافي كيف ارى زيارتي الى لبنان لأجبت باختصار ، لبنان يعيش حالة من الفوضى العارمة ، في انتظار انتهاء او انتظام حالة الفوضى المحيطة به وخصوصا في سوريا. والمهم ان اللبنانيين لا يريدون العودة الى الحروب ولكنهم في الوقت نفسه غير راغبين في بناء دولة فعلية ،  اذ لا نظام ولا انتظام الا في المؤسسات الأمنية اما باقي المؤسسات فقد نخرها الاهتراء حتى العظم.
سمعت كثر يقولون ، هذا هو لبنان الوطن الذي لا يموت ، وان كان يبدو اليوم وكأنه على شفير الهاوية فان ذلك لا يعني انه انتهى ، فدوره بالقيامة ات مهما بلغت الصعاب.

نأمل ان لا ينتهي لبنان كدولة ، وان يصمد شعبه في هذه المرحلة الصعبة ، لأن سقوطه يعني سقوط وطننا الذي نلجأ اليه كلما أتعبتنا الغربة واشتد بِنَا الحنين الى وطننا الاول.
نأمل ذلك ، وان كنّا على يقين بأن النظام الحالي لن يستطيع تأمين الاستمرارية لهذا البلد ،  والبديل غير واضح حتى الساعة، لذلك فأنه  اليوم يسبح  في اتجاه المجهول.

سايد مخايل

sayed@al-anwar.com.au