الإعلام اللبناني والحراك الشعبي: إضطراب ما بين الواجب المهني والزيت على النار

إضطرب الإعلام اللبناني إزاء الحراك في ساحتي رياض الصلح والشهداء. ولوحظ مثلاً أن المؤسسة اللبنانيّة للإرسال دافعت عنه بحرارة، وكرست شاشتها لتشجيع التظاهر واستضافت قادة الحراك. وكذلك دعت قناة الجديد إلى مشاركة كبيرة في التظاهرات، وفق ما قالت إحدى المذيعات.
في البداية، إتّهم إعلام 14 آذار المتظاهرين بالانتماء لسرايا المقاومة، وحمّلهم المسؤوليّة عن الشغب والتعدي على القوى الأمنيّة. وقالت قناة MTV في أحد تقاريرها إن المندسين بين المتظاهرين هم سبعة أشخاص أتوا من مناطق محددة في بيروت – وذكرتها – فقاموا برشق المولوتوف والتكسير والتخريب في وسط بيروت التجاري. ورأت أن ما يجري لا يمتّ إلى التظاهرات السلمية وحريّة التعبير.
ولكن قناة المنار كانت أيضاً تُهاجم المتظاهرين، وتقول إن القوى الأمنية ردّت على استفزازاتهم. أما قناة NBN فخففت من اهتمامها بالحراك الشعبي الذي حمل على الرئيس نبيه بري، وأطلقت وسماً هاشتاغ ضدّ قناة LBCI على مواقع التواصل، اتّهمتها فيه بالتحريض.
وكان المراسلون عموماً ينقسمون بين مدافع عن الحراك وخائف من المندسين. وعمدت وسائل الإعلام أحياناً إلى الاكتفاء بنقل مشهد المندسين يرشقون القوى الأمنية بزجاجات المياه والحجارة والمواد الحارقة أحياناً، ولم تسلط الضوء على الغالبية التي بقيت مسالمة.
وأما تلفزيون لبنان الرسمي، فقيل عنه إنه يعيش في عالم آخر، إذ اكتفى بعرض مسلسلات قديمة من الأرشيف. وقام وزير الإعلام رمزي جريج بلقاء المسؤولين عن المحطات، وطالبهم بالتزام أحكام القانون وأخلاقيات المهنة في تغطية التظاهرات، نظراً إلى اندساس عناصر شغب في صفوف المتظاهرين وانحراف التظاهرة عن مسارها السلمي وانتشار الفوضى في مكان التظاهرة، كما ظهر للعيان.
ودعا وسائل الإعلام، ولا سيما محطات التلفزيون، التي قامت بتغطية التظاهرات، إلى توخي الدقة في نقل الأخبار والابتعاد عن الإثارة في التعليق عليها ونبذ العنف الذي مارسته العناصر المندسة وتغليب المصلحة الوطنية على أي سبق اعلامي، معولاً على ضمير كل اعلامي وتحسسه ب المسؤولية. ورأى أن التغطية الإعلامية على شاشات التلفزيون تجاوزت، في مداها ومضمونها، الحدود التي تتيحها الحرية الإعلامية، المكرسة في الدستور، والتي يجب أن تمارس دائما تحت سقف القانون، الذي يضمن حقوق الناس ويؤمن السلم الأهلي والاستقرار الأمني والمصلحة الوطنية العليا.
الإعلام العالمي يتفاعل
واهتمت وسائل الاعلام العالمية بالحراك الشعبي في وسط بيروت. ونشر موقع ABC الأميركي الحوادث بالصور والتغطية، واصفاً الحشود التاريخية والتجمعات. وأما موقع ديلي ميل البريطاني فقد نشر مقالاً مرفقاً بفيديو وصور تعكس الغضب الشعبي في الشارع اللبناني. كما غطى موقع الBBC الحراك في الشارع اللبناني ونقله بصورة واضحة، عاكساً مطالب الشعب اللبناني. واعتبر موقع Huffingtonpost ان الشباب اللبناني لامع وذكي في اختيار اسم حراكه. وأما موقع The Telegraph الذي لم يغب عن الحراك المدني، فواكب تحركات طلعت ريحتكم.
واستحوذ الحدث اللبناني على أهمية خاصة في معظم وسائل الإعلام الفرنسية، وحظيت الأخبار في الصفحات الخارجية لمعظم الصحف بمتابعة أظهرتها مشاركة الفرنسيين على مواقع التواصل الاجتماعي للحملة المنظمة في لبنان طلعت ريحتكم، فتفاعل عدد من المغرّدين مع الأمر عبر وسم vous puyez وشكّلت مدوناتهم وصفحاتهم الخاصة مساحة لعرض وجهات النظر اللبنانية المتباينة حول مشروعية الاحتجاجات من عدمها.
وفي قراءتها للأوضاع اللبنانية، عنونت صحيفة لوباريزيان في ملحقها الخاص بالشرق الأوسط: المتظاهرون يعبّرون عن غضب عارم والحكومة تصمُّ آذانها. وفي سرد للأحداث التي بدأت بتظاهرة نهار السبت الماضي، شرحت الجريدة الأسباب التي دعت الشباب اللبناني إلى النزول إلى ساحة رياض الصلح.
وتناولت الصحيفة وجهتي نظر متباينتين في الرؤية رغم إجماعهما على أهميّة الحراك المدني، الأولى قدّمتها الباحثة في مركز كارنجي للشرق الاوسط في بيروت، السيدة مهى يحيى التي قالت هذا جرس إنذار حقيقي للطبقة السياسية كاملة، الناس هنا يطالبون بحقوقهم المشروعة من كهرباء ومياه وتعليم وطبابة، إضافة إلى حلّ مشكلة النفايات. أما وجهة النظر الثانية فقد عبّرت عنها فاديا كيوان، دكتورة العلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف التي قالت لوكالة الصحافة الفرنسية لست متعلقة أبدا بهذا النظام العفن، لكن السؤال الذي يطرح اليوم: هل البديل هو الفوضى؟.
بدورها، علّقت الإكسبرس على موضوع بناء جدار إسمنتي، أطلق عليه الناشطون جدار العار، وقالت النظام يحاصر نفسه. ونقلت الصحيفة تصريحات لمتظاهرين يعبّرون فيها عن مطالبهم بتحسين ظروف المعيشة ومحاسبة المافيات والعصابات الفاسدة التي تحكم هذا البلد. وركّزت الصحيفة في ختام المقال على أنّ بلداً مثل لبنان يشهد تجاذبات سياسية وأمنية منذ عام 2005 يشكّل فيه التظاهر المدني، بعيداً عن فريقي النزاع، سابقة بدأت تنعكس إيجاباً على الرأي العام.
ومن جهتها، صحيفة لوموند عنونت: الحكومة تفشل في حلّ أزمة النفايات والمتظاهرون يستعيدون الساحة. وفي عرض مفصّل تبنَّى بشكل كامل وجهة نظر حملة طلعت ريحتكم، قالت الصحيفة إنّ الشغب المفتعل الذي حدث نهار الأحد يأتي نتيجة التقصير في التنظيم من قبل منظمي الحراك، في حين غمز بعض المتابعين الفرنسيين للشأن اللبناني عن حركة مقصودة من تيارات سياسية كان لها اليد الطولى في تخريب الحراك المدني الذي اندلع شتاء 2011.
على أنّ الصحافة الفرنسية التي التزمت بالسرد والتصوير مع دعم واضح لاحتجاجات اللبنانيين لم تتوان عن التحذير من مغبّة تطوّر الأمور، لذلك كانت لهجة بيان السفارة الفرنسية في بيروت واضحة في دعوتها للمواطنين الفرنسيين في لبنان إلى تجنّب أماكن التجمعات، إذ لا ضرورة أمنية تقتضي المغادرة لكن الحذر واجب.
خمس نصائح
ونشرت مجموعة القراصنة الأبرز حول العالم أنونيموس شريط فيديو على حساب Times Revolution على يوتيوب، تُقدّم فيه خمس نصائح لالثوار اللبنانيين. كما دعت المجموعة اللبنانيين للاستمرار بتحرّكاتهم من أجل إسقاط الفساد ولأن يكون لبنان رمزاً للدول حول العالم.
وممّا جاء في نصائح المجموعة:
1 – نعتقد أن الطريقة الأفضل لنجاح الثورة هي أن يكون رجال الشرطة مع الثوار، فالخصوم الحقيقيون هم السياسيون.
2 – استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار للتعبير عن غضبكم. احكوا قصصكم للعالم عبر يوتيوب وتويتر.
3 – سيكون من الجيّد أن تُنشئوا رمزكم الخاصّ بالحراك. أمر ما سيتذكره اللبنانيون دائماً.
4 – ابقوا موحّدين ولا تسمحوا للسياسيين بسلبكم الحراك.
5 – من المعروف بعد كل ثورة أنّ شخصاً ما يخرج على أنّه الزعيم. يجب ألا يحدث ذلك. قودوا الثورة من دون قائد. نعلم أنّ الثورة مرعبة للبعض، ولكنّها تستحق العيش من دون فساد.
وختمت المجموعة شريط الفيديو بالقول نحن هنا، نحن معكم، وسنجعل العالم أجمع يرى لبنان موحّداً ضد الفساد. كما وجّهت المجموعة شكرها للصحافيين الذين أعلوا صوت الشعب ووقفوا إلى جانبه.
مواقع التواصل على نار!
وبينما يهتف اللبنانيّون في الشارع ضدّ الذل والقهر والفساد، وضدّ الزعماء السياسيين، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً بارزاً في الحراك. وأُنشئت صفحات على فايسبوك تحديداً، باسم المجموعات المنظّمة للحراك والداعية له. وكان من أبرزها صفحة طلعت ريحتكم، التي وصل عدد متابعيها إلى 145 ألفاً، إضافة إلى بعض الصفحات الأخرى. واكتفى اللبنانيون باستخدام حساباتهم الشخصية على تويتر لنقل الأحداث.
وبرزت الوسوم المستخدمة على مختلف المنصّات بشكل بارز، ليصل وسم طلعت _ ريحتكم إلى لائحة الأكثر تداولاً عالمياً، للمرة الأولى لوسم لبناني على تويتر. ويعدّ الوسم شرارة انطلاق الثورة اللبنانية في وجه الفساد، مع وسم YouStink. وسم آخر شق طريقه، هو وسم بدنا _ نحاسب، كما انتشر وسم حلو _ عنا، بالإضافة إلى وسم مستمرون الذي رافق أغلب التدوينات، في دلالة على استمرارية الحراك ودعمه من دون كلل أو ملل. إلى ذلك، أٌطلقت وسوم عالشارع، ثورة _ على _ النظام، عسكر _ على _ مين، ودولة _ يا _ عيب _ الشوم.
ونشر اللبنانيون صوراً من قلب التظاهرات، كما نشروا شهاداتهم على قمع القوى الأمنية، بالإضافة إلى فيديوهات وثّقت ما غابت عنه وسائل الإعلام.
واستطاع وسم بدنا _ نحاسب، أن يتفاعل أكثر من 5 ملايين مرّة على تويتر، بحسب ما ذكر موقع كي هول، وتداول المستخدمون الوسم على هواتف أندرويد بنسبة 43 في المائة و30 في المائة على هواتف آيفون. أما بالنسبة لوسم طلعت _ ريحتكم فقد تفاعل 3 ملايين مرة، واستخدم الناشطون الوسم على هواتف أندرويد بنسبة 38 في المائة، و30 في المائة على هواتف آيفون. وحصد وسم مستمرون أكثر من مليوني تفاعل، وتم نشره من خلال هواتف أندرويد بنسبة 43 في المائة و29 في المائة على هواتف آيفون.
وبدا اهتمام العالم بالتحرّكات اللبنانيّة واضحاً على مواقع التواصل، حيث انتشرت تعليقات مؤيّدة للحراك من قبل مستخدمين من مختلف الدول حول العالم. وعلّقت إحدى الصحافيات قائلةً: دخلتُ إلى وسم طلعت ريحتكم وكُلّي اعتقاد أنّ هناك سخرية على أمر ما حدث، لكنّي وجدتُ حراكاً شعبياً في لبنان. هذا ما يُسمى استخدام وسائل التواصل بطريقة ذكيّة.
المؤشِّر العالمي للحرية
وكان موقع الدول العربية في آخر المراتب الخاصة بمؤشر حرية الإنسان، الذي أصدرته ثلاثة معاهد أجنبية منتصف شهر آب/اغسطس 2015، وهو الذي يخصّ ترتيب 152 دولة في عام 2012. فقد أتت الأردن الأولى عربيا بحلولها في المركز 78، بينما كانت الجزائر واليمن في نهاية القائمة العربية بحلولهما تواليا في المركزين 146 و148.
هذا المؤشر الذي أصدره معهد كاتو، ومعهد فريزر، ومعهد الليبراليين التابع لمؤسسة فريديريش نومان للحرية، بوّأ هونغ كونغ المرتبة الأولى، تتبعها سويسرا، ثم فنلندا، فالدنمارك، ونيوزليندا في المرتبة الخامسة، بينما حلّت الولايات المتحدة في المركز العشرين. أما على صعيد الشرق الأوسط، فقد حلّت إسرائيل الأولى بعدما تموضعت في المركز ال51.
وأتت تركيا ثانية على صعيد الشرق الأوسط بحلولها في المركز 62، بينما لم تأتِ الدول العربية إلا ابتداءً من المركز 78 الذي حلَت فيه الأردن، ثم لبنان في المرتبة ال87، فالبحرين في المركز 89، والكويت رابعة بحلولها في المركز 97، ثم عمان خامسة، المركز 112.
ورغم رياح الربيع العربي التي انطلقت منها، إلا أن تونس أتت سادسة في القائمة العربية بحلولها في المركز 113، وبعدها مباشرة قطر، ثم الإمارات العربية المتحدة في المركز 117، أما المغرب، فقد حلّ تاسعا بتراجعه إلى المركز 121، وبعده موريتانيا 127، ثم مصر 136، وبعدها السعودية 141، فالجزائر 146، لتأتي اليمن في نهاية القائمة 148. أما المركز الأخير في القائمة ككل، فكان من نصيب إيران.
ويعتمد هذا المؤشر على قوة القوانين والأمن وحرية تنظيم الحركات وحرية إنشاء التنظيمات الدينية والعمل غير الحكومي وحرية الصحافة والتعبير، والحرية الفردية والاقتصادية، وقد صدرت إلى الآن منه عدة نسخ منذ عام 2008.