أزمة الأخلاق والنفوس لا تُعالج بتغيير النصوص إنّما بتغيير ذهنيّة سياسيّين فاسدين لا يحاسَبون

اميل خوري

لبنان ليس في حاجة الى تغيير نظامه بذريعة تحقيق مزيد من العدالة والمساواة، ولا سيما في توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث، إنما هو في حاجة الى تغيير ذهنية طبقة سياسية ومصلحية لا ينفع معها تغيير الأنظمة ما دامت تتعمّد اساءة ممارستها، كما لا ينفع معها تغيير النصوص ما لم تغير ما في نفوسها. وليس الدستور هو الذي أحدث أزمة انتخابات رئاسية إنّما من حلّلوا لأنفسهم حق التغيب من دون عذر مشروع عن جلساتها. ولا الدستور هو الذي أحدث ويحدث أزمات عند تشكيل الحكومات بحيث يذهب نصف ولاية رئيس الجمهورية على معالجتها والبحث عن حلول للخروج منها. وليس الدستور هو الذي منع ويمنع إجراء انتخابات نيابية في موعدها، انما الخلاف على القانون الذي ستجرى على أساسه وكل حزب يريد أن يكون على قياس مصالحه. وليس الدستور هو الذي يمنع الاعتراف بنتائج الانتخابات كما فعل “حزب الله” عندما اعتبر الأكثرية النيابية التي فازت فيها أكثرية نيابية وليست أكثرية شعبية خلافاً للقانون وللدستور وللديموقراطية ليجعل الأقلية تتحكم بالأكثرية، وخلافاً لما يجري في الدول المتحضرة، وأن من لا يتعرف بهذه النتائج يساوي عند تشكيل الحكومات بين الرابح والخاسر منها فيجمعهما في حكومة واحدة ليتخاصما ويتشاحنا ويعطلا عملها. وليس الدستور هو الذي أجاز لكل وزير حق عدم توقيع المراسيم التي تصدر عن مجلس الوزراء ولا حق الاعتراض عليها ليس داخل مجلس الوزراء انما خارجه فيقوم بدور المعارض ويبقى في الحكومة…أو يخالف سياسة الحكومة وقراراتها ولا يستقيل منها.
للوزير السابق الدكتور خالد قباني، وهو القانوني المعروف، رأي في تداعيات شغور موقع رئاسة الجمهورية يقول فيه: “ليس موقع ودور رئيس الجمهورية في الدستور وفي الحياة السياسية والوطنية أمراً عابراً أو ثانوياً، إنه موقع أساسي وبارز ودوره محوري في ادارة الحكم وتوجيهه وفي استقرار البلاد والحفاظ على استمرار عمل المؤسسات والسهر على تطبيق الدستور ولعب دور الحكم في النظام السياسي البرلماني الذي يقوم على التنافس الحاد بين قوى سياسية تتصارع على السلطة وعلى قيادة الحكم في البلاد، فيشكل الرئيس صمام الأمان والضابط للحياة السياسية والمرجع الدستوري والوطني لما يمكن أن ينتج من نزاعات وصراعات بين هذه القوى من شأنها أن تؤثر على الاستقرار في البلاد سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً وتؤدي الى اضطراب الأمن والسلم الأهلي”. ويضيف أن “الاستخفاف بموقع رئيس الجمهورية ودوره بلغ حداً خطيراً كشف عن عدم القبول بأن يكون في لبنان مرجعية وطنية محايدة ومنزهة ومستقلة لكي تتولى دور الحكم بين المتصارعين على السلطة والحكم الى حد تدمير آليات ومبادئ الحكم الديموقراطي من انتخابات دورية وتداول للسلطة والمساءلة والمحاسبة وتعكير صفو العلاقات بين اللبنانيين وزرع الفتنة وضرب الوئام والسلام الوطني وتفضيل الاستقواء بالخارج وإيكال أمورنا الوطنية اليه لكي يتحكم في مصيرنا الوطني وفي تغليب فريق على آخر، وتغيير موازين القوى الداخلية عن طريق الغلبة، لا بالطرق الديموقراطية التي شرّعها الدستور. فالتجربة التاريخية المريرة والحروب الأهلية أثبتت أنه كلما تدخل الخارج في شؤوننا الداخلية حلَّ الخراب والدمار والانقسام في البلاد. وكلما كان رئيس الجمهورية فريقاً في الصراع الداخلي، انتهى الأمر الى فتنة وحروب أهلية كان ضحيتها الشعب اللبناني بكل فئاته وعناصره. وعندما أراد الدستور إناطة هذه المرجعية برئيس الجمهورية، لم تمكّن القوى السياسية الرئيس من أن يلعب هذا الدور فكان الرفض والتمرد والعداء لهذا الرئيس، مما أوصلنا واقعياً إلى حد الغاء وجوده بالامتناع عن تلبية الدعوة لانتخابه وملء هذا الشغور”.
وتساءل الوزير قباني: “هل يعقل أن نصل في ممارستنا السياسية الى حد الاستغناء عن منصب قيادة الدولة وعن رأس الدولة في نظامنا السياسي، فيجيز النائب لنفسه التمتع بامتيازاته الدستورية ويمتنع عن القيام بموجباته الدستورية والوطنية وأولها تلبية الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية بحجة أن حضور الجلسات أو عدم حضورها يعود إلى خيار النائب واستنسابه… ونسي أنه نائب للأمة جمعاء وأن الدستور اللبناني نص على ان انتخاب رئيس الجمهورية ليس حقاً شخصياً له، بل هو حق وتكليف دستوري عهد به الدستور الى النائب نيابة عن الشعب،
والسؤال الذي يطرح هو: رأي من يسمع النواب الذين يتغيبون عمداً عن جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، رأي الدستور ورجال القانون أم رأي خارج يريد مخالفته خدمة لمصالحه، أم رأي النفوس الامّارة بالسوء وحب الذات؟!