السلطان عبد الحميد الثاني

عبد الحميد الثاني هو خليفة المسلمين الثاني بعد المائة والسلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة، وآخر من امتلك سلطة فعلية منهم، تقسم فترة حكمه إلى قسمين: الدور الأول وقد دام مدة سنة ونصف ولم تكن له سلطة فعلية، والدور الثاني وحكم خلاله حكماً فردياً، يسميه معارضوه «دور الاستبداد» وقد دام مدة ثلاثين سنة. تولى السلطان عبد الحميد الحكم في 10 شعبان 1293 هـ – 31 أغسطس 1876)، وخُلع بانقلابٍ في (6 ربيع الآخر 1327هـ – 27 أبريل 1909)، فوُضع رهن الإقامة الجبريَّة حتّى وفاته في 10 فبراير 1918م.[2] وخلفه أخوه السلطان محمد الخامس. أطلقت عليه عدة ألقاب منها «السُلطان المظلوم»، بينما أطلق عليه معارضوه لقب «السُلطان الأحمر»، ويضاف إلى اسمه أحياناً لقب الـ «غازي». وهو شقيق كلٍ من: السلطان مراد الخامس والسلطان محمد الخامس والسلطان محمد السادس.
وصل عبد الحميد إلى تخت المُلك خلفاً لأخيه السلطان مراد الخامس الذي مكث في السلطة ثلاثة أشهر فقط وأنزله وزراؤه بعد أن أصيب بالجنون. شهدت خلافته عدداً من الأحداث الهامة، مثل مد خط حديد الحجاز الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة، وسكة حديد بغداد وسكة حديد الروملي، كما فقدت الدولة أجزاءً من أراضيها في البلقان خلال حكمه، وكذلك مصر وتونس والبوسنة والهرسك، وانفصلت بلغاريا في 1908م.
بويع عبد الحميد الثاني بالخلافة وعرش السلطنة، عندما كانت البلاد تمر في أزمات حادة ومصاعب مالية كبيرة، وتشهد ثورات عاتية في البلقان تقوم بها عناصر قومية تتوثبّ لتحقيق انفصالها، وتتعرض لمؤامرات سياسية بهدف اقتسام تركة «الرجل المريض». ومنذ اليوم الأول لارتقائه العرش، واجه السلطان عبد الحميد موقفًا دقيقًا وعصيبًا، فقد كانت الأزمات تهدد كيان الدولة، وازدادت سرعة انتشار الأفكار الانفصالية، وأصبح للوطنية معنى جديد أخذت فكرته تنمو وتترعرع في الولايات العثمانية، ووجد السلطان نفسه مشبع بالثورة والاضطراب.
دامت هذه الفترة مدة سنة ونصف من 31 أغسطس 1876م حتى 13 فبراير 1878م وهذا الدور لم يكن فيه للسُلطان عبد الحميد القول الفصل وإنما كان لمدحت باشا ومن معه واستمر فيه عبد الحميد بمداراتهم، وخلال هذه الفترة استقال رشدي باشا من منصب الصدر الأعظم فعين السلطان مدحت باشا محله، وكانت حركات العصيان قد انتشرت في أرجاء الدولة، وعقد مؤتمر ترسانة الذي كان هدفه الوصول إلى حل بين الدولة العثمانية والمشكلة الصربية بحضور مرخصين من الدول الأوروبية وروسيا وكرر كبير المرخصين الإنكليز اللورد سالزبوري رفضه لحرب روسية عثمانية، وكذلك القيصر الروسي ألكسندر الثاني الذي مال إلى السلمية، ولكن مدحت باشا ناصر إعلان الحرب على روسيا ولم يبال بالسلطان الذي كان رافضاً. بإصرار من مدحت باشا أعلنت الدولة المشروطية الأولى ونشرت القانون الأساسي
ثورات البلقان
تجددت الثورة في إقليميّ البوسنة والهرسك، واستمرت في بلغاريا، وكان الصرب والجبل الأسود في حالة حرب مع الدولة، ولهذه الأسباب تدخلت الدول الأوروبية لاستغلال الموقف بغية تحقيق مصالحها بحجة إحلال السلام. فشجعت روسيا والنمسا الصرب والجبل الأسود على حرب العثمانيين، حيث رغبت النمسا بضم البوسنة والهرسك، بينما رغبت روسيا بضم الأفلاق والبغدان وبلغاريا، ووعدت روسيا النمسا والصرب والجبل الأسود بالوقوف بجانبهم إذا قامت حرب بينهم وبين العثمانيين. وبالفعل قامت الحرب بين الدولة العثمانية وتلك الدول، إلا أن الجيوش العثمانية استطاعت الانتصار ووصلت إلى مشارف بلغراد، غير أن تدخل أوروبا أوقف الحرب.
الحروب الروسية العثمانية:
أرسلت الدول الأوروبية الكبرى لائحة للدولة العثمانية تقضي بتحسين الأحوال المعيشية لرعاياها النصارى، وإجراء إصلاحات في البوسنة والهرسك وبلاد البلغار، وتعيين الحدود مع الجبل الأسود، ومراقبة سفراء الدول الأوروبية تنفيذ هذه اللائحة، وعندما وصلت اللائحة للسلطان عرضها على مجلس المبعوثان (الذي كان رافضاً جر البلاد للحرب بسبب تردي الأحوال الداخلية والخارجية)، فرفض المجلس اللائحة؛ لأن هذا يعتبر تدخلاً صريحًا في شؤونها باسم حماية النصارى، وحتى لم تُستشار الدولة بخصوصها ولم تشارك في مناقشتها، فاستغلت روسيا رفض اللائحة واعتبرته سبباً كافياً للحرب، وقطعت علاقاتها السياسية مع الدولة العثمانية، وأعلنت الحرب، وفي هذه المرة تركت أوروبا روسيا لتتصرف كيفما تشاء مع العثمانيين، فاحتلت الأفلاق والبغدان وبلغاريا ووصلت أدرنة وأصبحت على بعد 50 كيلومترًا فقط من إسطنبول، كذلك دخلت جيوشها الأناضول، وعادت الصرب والجبل الأسود لتعلن الحرب على الدولة العثمانية، فاضطرت الأخيرة إلى طلب الصلح، وأبرمت معاهدة سان ستيفانو مع روسيا.
نهاية المشروطية الأولى وحل مجلس المبعوثان وحادثة جراغان:
دعت هذه النكبة السلطان عبد الحميد إن يعطل مجلس المبعوثان وحله إلى أجل غير مسمى في 7 ذي الحجة 1294 هـ بعد أن أجتمع المجلس واستمع إلى خطبة باسم السلطان، ثم صدر أمر بحله. دام هذا الدور بعد حل المجلس حوالي ثلاثين عاماً وهذه السنوات هي التي أدار فيها السلطان الدولة إدارة فردية ويسمى دور الحكم الفردي للسلطان عبد الحميد الثاني وينعته المعارضون ومؤرخي العهد الجمهوري التالي بدور الاستبداد. ولا يحمل المؤرخين والمحققين ما حدث في هذا الدور إلى السلطان. استاءت بريطانيا من قرار تعطيل المجلس فحرضت أحد العثمانيين الجدد وهو علي سعاوي باقتحام قصر جراغان وهو مقر سكن السلطان مراد المخلوع، وحاولوا خلع السلطان عبد الحميد وتنصيب مراد الخامس بدلاً منه ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل وسُميت هذه الواقعة «بواقعة أو حادثة جراغان» أو «واقعة علي سعاوي». توفي في هذه الحادثة 23 متمرداً وجرح منهم 15 وحوكم الكثيرون منهم في المجلس العرفي العسكري ولم يصدر بحق أحد منهم حكم الإعدام. على أعقاب هذا الحدث ومشاهدة عبد الحميد خلع سلفيه عمه عبد العزيز الأول وأخيه مراد الخامس وحيث لم يكن زمن هذه الحادثة متوقعاً، شكل السُلطان تشكيلات أمنية استخباراتية وسميت «المنظمة الخفية» أو جهاز الأمن السري ويسمون بالتركية العثمانية «خافيه» والتي تعني «تحري» بالرغم من أن أعضاء هذه المنظمة أقلقوا راحة الشعب خلال 30 عاماً وحدوا من حرياتهم إلا انهم خدموا أمن الدولة طيلة هذا الوقت.
معاهدتي سان ستيفانو وبرلين:
طلب السلطان عبد الحميد من الروس، على أعقاب حرب 93 معاهدة لإيقاف الحرب وهي معاهدة سان ستيفانو، وتنص على أن تعترف الدولة باستقلال الصرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان وبلغاريا، وتنازلت أيضًا عن عدة مدن في آسيا، ويتعهد الباب العالي بحماية الأرمن النصارى من الأكراد والشركس، وإصلاح أوضاع النصارى في كريت، ويبقى مضيقي البوسفور والدردنيل، ثمّ تمّ تعديل هذه المعاهدة في مؤتمر عُقد في برلين تمّ بموجبه سلخ المزيد من الأراضي عن الدولة العثمانية أقيم مؤتمر برلين في 13 رجب 1295 هـ/13 يوليو 1887م وبحث بهذا المؤتمر تعديل معاهدة سان ستيفانو التي عقدت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، وهذا بسبب معارضة (إنكلترا، فرنسا، ألمانيا، النمسا) لهذه المعاهدة لأنها لا تتفق مع مصالحها الاستراتيجية، فعقدت معاهدة برلين، وكان من أبرز نتائجها، استقلال بلغاريا، وضم البوسنة والهرسك للنمسا، واستقلال الجبل الأسود والصرب، وضم قارْص وأرداهان وباطوم لروسيا، والموافقة على تحسين أوضاع النصارى في جزيرة كريت. تضمنت المعاهدة 64 مادة.
الأقاليم التي خسرتها الدولة في عهده:
كشفت قرارات مؤتمر برلين عن ضعف الدولة العثمانية، فاستغلت الكيانات السياسية والقومية هذا الضعف، وقامت بانتفاضات على الحكم المركزي بهدف الحصول على الاستقلال الكامل، ودعمتها أوروبا في سبيل تحقيق ذلك، وهكذا توالت الأزمات السياسية في وجه السلطان عبد الحميد الثاني بعد الحرب العثمانية الروسية ومؤتمر برلين. انضمت تونس إلى قائمة الأقاليم التي فقدتها الدولة العثمانية لصالح أوروبا في عهد عبد الحميد الثاني عندما احتلتها فرنسا التي أجبرت باي تونس على توقيع معاهدة قصر سعيد، وأدخلت فرنسا إيالة تونس المستقلة ذاتياً تحت حمايتها، ولم تعترف الدولة حتى معاهدة لوزان 1923 م بالاحتلال الفرنسي وكانت تعبرها إيالة عثمانية تحت الاحتلال الفرنسي الغير شرعي. ولم تقتنع بريطانيا بما حصلت عليه في قبرص فاستغلت تراكم الديون على الحكومة بعد فتح قناة السويس فاحتلت مصر في 1882 بعد أن انتصرت على قوات أحمد عرابي، وقامت الثورة المهدية في السودان فسيطرت على البلاد، بحجة حماية الدولة العثمانية من أي اعتداء. وتقاسمت مع فرنسا وإيطاليا شرق إفريقيا والحبشة.
الحرب اليونانية العثمانية:
طمعت اليونان في ولايتي يانيا وكريت العثمانيتين فأعلنت الحرب ضد الدولة العثمانية، وبعد معارك عديدة انتصرت القوات العثمانية وسقطت الوزارة في العاصمة أثينا وطلبت الوزارة الجديدة الدول الكبرى راجية الصلح، وأرسل القيصر إلى السُلطان برقية طالباً الصلح فوافق بشرط إعادة تيساليا ودفع غرامات قيمتها 10 ملايين ليرة عثمانية فعقدت معاهدة إسطنبول التي تتكون من 16 مادة في 4 ديسمبر 1897 م وتم منح كريت حكماً ذاتياً.
ثورة البلغار في مقدونيا (1902 – 1903)
في 1320 هـ – 1321 هـ/1902م – 1903م اندلعت اضطرابات في الولايات الثلاث (قوصوة وسلانيك ومناستر) المختلفة الأعراق والأديان والمذاهب وكانت المادة 23 من معاهدة برلين تجبر العثمانيين على إجراء إصلاحات في مقدونيا، ولكن عبد الحميد كان يرفضها ويجابهها لأنه لو قام بها ستؤدي إلى استقلالها. وفي 1893 أسس البلغار جمعية ثوار مقدونيا وكان الأعضاء فيها من العصابات وشكل بقية الأعراق (اليونانيون، والصربويون، والرومانيون) في المنطقة عصابات ليواجهوا خطرهم لأن هدفهم إزاحة هؤلاء عن الطريق ليتفرغوا للأتراك وساند الباب العالي الأعراق الثلاثة الأخيرة لمواجهة البلغار، وفي 1902 م بدأ هؤلاء عملهم، فبدأوا بقتل إخوتهم البلغاريين الذين لم ينضموا لهم، ووزعوا القنابل في كل ناحية وفي أواخر عام 1902 م تحولت حربهم إلى ثورة حقيقية، وخلال شهر واحد أخمد الجيش الهمايوني الثالث ثورتهم في 21 سبتمبر 1902 م، وقبل مرور سنة في 2 أغسطس 1903 م قام البلغاريون مرة أخرى بعصيان. وزادت ضغوط الدول الأوروبية لإجراء الإصلاحات فيها. وأرسل الباب العالي والي اليمن حسين حلمي باشا إلى هذه الولايات الثلاث باسم «مفتش عام الولايات الثلاث». وأُلفت لجنة لإصلاح أحوال الولايات الثلاث برئاسة والي إيالة قونية آفلونيالي محمد فريد باشا الذي أصبح لاحقاً صدراً أعظماً.
حادث القنبلة:
في عام 1905 م حاول الأرمن اغتيال السُلطان عبد الحميد، حيث خطّطوا مؤامرتهم هذه في سويسرا؛ ويذكر بعض المؤرخين احتمال لوجود بريطانيا خلفها، وكان هدفهم شد انتباه الدول الأوروبية وقتل السُلطان العثماني، فاتفقوا مع خبير بلجيكي مختص بهذه الأمور يدعى «جوريس» الذي لم يكن لهُ علاقة لا بالأرمن ولا بقضيتهم ولكنه كان أجيراً. وكان السُلطان فيما سبق قد شدّد على الأمن واتخذ تدبيرات أمنية قوية بحقّهم؛ إضافة لأسباب أخرى كهزيمة اليونانيين في حربهم مع العثمانيين ورفض عبد الحميد إسكان اليهود في فلسطين، وبعد أن قمع ثورة الأرمن، شكّل هؤلاء جميعاً جبهة واحدة ضد السُلطان. أتى جوريس إلى العاصمة إسطنبول كسائح وخلال مراقبة السلطان تأكد أنه لا يمكن الاقتراب منه إلا خارج مراسم صلاة الجمعة وأن المدة الزمنية التي يخرج فيها من الجامع قصيرة ومحددة ولا تتغير أبداً، فعزم على تنفيذ خطّته في هذا الوقت، فوضع القنبلة في عربة ثم تُركت على الطريق في اللحظة الأخيرة عند خروج السلطان من الجامع. في هذه الأثناء خلافاً للعادة قام شيخ الإسلام جمال الدين أفندي باعتراض طريق السلطان ليحدثه ببعض الأمور، فانفجرت القنبلة ولم يتضرر السلطان لوقوفه على عتبات الجامع، ومات في الحادثة مربيان اثنان من مربّي الأمراء والكثير من الجنود. تصرف عبد الحميد براحة تامة بعد الحادثة فاستقلّ عربة قادها بنفسه إلى القصر. قُبض على منفذي العملية وعوقبوا، وقبض على جوريس أيضاً لكن السلطان منحه 500 ليرة ذهبية وتركه، ويُذكر أن جوريس هذا أرسل لعبد الحميد معلومات مهمة من أوروبا في السنوات التالية.
تشكيل جمعية الاتحاد والترقي وتطورها وإعلان المشروطية الثانية وافتتاح مجلس المبعوثان 1908
في عام 1889 م وفي الذكرى المائة للثورة الفرنسية شُكلت جمعية سرية تسمى «جمعية الاتحاد والترقي» على أيدي طلاب المدرسة الحربية والمدرسة الطبية العسكرية وهدفها الوحيد هو عزل السلطان عبد الحميد الثاني، وإعادة الحياة الدستورية للدولة، وكان وراء التشكيل ماسوني ألباني يدعى «إبراهيم تيمو» أو أدهم كما يدعى أحياناً، أخذت أفكار هذه الجمعية تنتشر بين طلاب المدارس العُليا في العاصمة، وانتشرت خارج البلاد بين المنفيين الأتراك في باريس وجنيف والقاهرة، وأصدرت مجلة «عثمانلي» في جنيف لبث أفكارها والترويج لها،
وأخذت الحركة تتطور بشكل سريع داخل الدولة وخارجها، فقامت الدول الأوروبية والمنظمات الماسونية واليهودية باحتضانها حسب تعبير المؤرخين، وبداية من هذا الوقت بدأ الصهاينة بالتحرك لخلع السُلطان عبد الحميد، وكان للسفارات الخارجية الدور الأكبر في دخول الصحف والمنشورات المعادية للسلطان لداخل الدولة وتوزع على التشكيلات الداخلية بسرية، اكتشفت هذه الجماعة
في 1897 م فتم نفي الكثير من أعضائها وفر بعضهم إلى باريس، فأرسل السلطان مدير الأمن العام الفريق الأول أحمد جلال الدين باشا لاستمالتهم للعودة فأقنع أكثريهم ومنحهم عبد الحميد مناصب كبيرة في الدولة، إلا أن «أحمد رضا بك» أصر على البقاء في باريس مع حفنة من مؤيديه، ولم يترك السلطان المحاولة في استمالة هؤلاء، فأمر سفرائه في الدول الأجنبية بالضغط على الحكومات التي تساعد المنظمة، وأرسل أناس لها بهدف عمل الانقسامات الداخلية فيها. انضم «داماد محمود جلال الدين باشا» صهر السُلطان هو وابنيه «صباح الدين» (الذي أشاع لاحقاً لقب «السلطان الأحمر» قاتل الأرمن على السلطان عبد الحميد للصحافة الأوروبية) وابنه «لطف الله».