الشك واليقين وما بينهما

كلمة رئيس التحرير / سام نان

يرى الفيلسوف ديكارت أن الإنسان يجب أن يشك و لو لمرة واحدة في حياته.

و كان هذا دافعه للشك المنهجي الذي يوصل به إلى اليقين الدائم

ومن أهم خطوات الشك عند ديكارت هو الشك في الحواس.

حيث يرى أن كل ما تلقاه وأدركه ووثق به كان عن طريق الحواس و لكنه وجد أن الحواس خداعة ومن الحكمة أن لا نطمئن لمن خدعونا و لو لمرة واحدة.

والمقصود بأن الحواس خداعة أي أن مثلا عندما ننظر لكوكب في السماء نراه في حجم الدرهم و هو في الحقيقة أكبر من حجم الأرض.

وعندما نطبق هذه المقدمة الوجيزة على حياتك يا صديقي، عندئذ أقول لك، أن ليس كل ما تحسه يجب أن يكون واقعياً بالضرورة، لأن الأمر متداخل فيه حواسك ومحبتك للآخرين وغيرتك على علاقتك بهم، وخوفك من ماضي لم يكن عندك علم به وحاضر قد لا تراه بعينيك وليس عندك دليل عليه.. ومستقبل يبدو مجهولاً لك. وفي هذه الحالة لا يبقى لك إلا نيران الشك التي قد تحرق نفسك وتجلب لك الاكتئاب وينعكس هذا على صحتك الجسدية وقد يدمر حياتك بالكامل.

وقد يسألني سائل: وما هو الحلّ إذاً؟

أجيبك يا صديقي أنه أمامك ليس حلاً واحداً بل مجموعة من الحلول التي يمكن أن تسلك إحداها:

– يمكنك أن تهدئ من روعك وتنتظر إلى أن تتضح الحقيقة بذاتها دون أن تعاني في البحث عنها.. فهناك مبدأ حقيقي ومنطقي أنه «ليس خفيٌ إلا ويعرف، ليس مكتوم إلا ويستعلن».

– الحل الثاني هو أن تسأل من تشك فيه.. وفي هذه الحالة لا تنتظر أن تسمع الحقيقة.. ولكنك إن كنت تفهم في التحليل بالملاحظة.. وتعرف كيف تحلل الصوت ولغة الجسد، فعلى الأقل ستعرف إن كانت الإجابة التي تسمعها حقيقية أم كاذبة، وبالطبع إن كانت الإجابة كاذبة إذاً فالكلام الذي لا يقال هو الحقيقة في هذه الحالة.

– الحل الثالث هو أن توجه نظرك نحو السماء وتشكو إلى الله لكي يريح نفسياتك ولكي يظهر لك الحقيقة.

أما على الجانب الآخر فقد يكون ظنك ليس في محله، فكثيراً ما ننام و نحلم و نعتد اننا في الحقيقة، ولكن عندما نستيقظ  نجد أننا كنا نحلم، وما حلمنا به ليس واقعاً.

ولكنني أقول لك أن الشك قد يكون حالة نفسية، وقد يكون مبنياً على سلوكيات بدرت من الآخرين فزرعت الشك في داخلك، وفي هذه الحالة أنت لست ملوماً، وإنما المُلام هو مَنْ زرع ذلك الشك في داخلك وسبب لك الأرق والسهر والأحلام المزعجة.

فهل ما زرعه في نفسك من شكٍ فيه حقيقة أم خيال، هذا أمر لا يجب أن نتعجل في الحكم عليه، بل علينا أن نصبر على الشك إلى أن يصير يقيناً، فليس علينا آن نحكم الإن في عجالة.. بل انتظر وتمسك بالمبدأ أنه ليس خفياً لن يعرف، وليس مكتوماً لن يستعلن، والإنسان لا يمكنه أن يخفي أمراً طيلة حياته، وحتى إن عمد على إخفائه فستظهر الحقيقة في سلوكياته وأفعاله وطريقة كلامه، وطريقة استقباله لمشاعر الشك الموجودة فيك وردود أفعاله تجاهك..

بالطبع الخط المستقيم هو أقصر الطرق، فلو صارحك الرف الآخر بالحقيقة سيريحك الأمر ويقصر الطريق سواء بالإيجاب أو السلب، ولكنه سيكون راحة للجميع، لك حتى لا يقتلك الشك، وله حتى لا يقتله الارتياب من الإخفاء والخوف من الغد.