إنجاز وسط اقتصاد عالمي مضطرب

جاءت نتائج أداء الميزانية العامة للدولة للربع الثاني من السنة المالية 1440 / 1441هـ «2019»، متميزة في تقرير الأداء المالي للحكومة خلال النصف الأول من هذا العام مقارنة بالفترة المماثلة، ولعل أبرز نقاط التقرير فيما يتعلق بالعجز، الذي بلغ خلال فترة ستة أشهر من العام المالي نحو 5.7 مليار ريال في مقابل 41.7 مليار ريال في الفترة المماثلة من العام السابق، وهذا إنجاز كبير بالمقاييس كافة يحتاج إلى رصد وفهم الآليات التي أدت إلى التفوق في فترة اقتصادية عالمية مضطربة وتذبذب في أسعار النفط طوال الفترة الماضية، ويمكن الارتكاز في ذلك على ما أكده وزير المالية السعودي بشأن تحقيق التوازن من خلال الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق.
هذه المفاهيم من أدق المفاهيم في علم الحوكمة، فهي تتطلب كثيرا من الأدوات التي تحققها. ففي جانب الانضباط، فإن العمل يرتكز على الرقابة الفاعلة، ومكافحة الفساد، والتشريعات الدقيقة، وإجراءات الرقابة الفاعلة، من أجل تحقيق شرط أساسي؛ هو أن يتم الصرف على المشاريع والبنود التي خصصت لها، فالمشكلة السابقة في المالية العامة كانت في الخروج عن هذا المسار، حيث يتم الصرف خارج الأطر التي تم الاعتماد عليها، من خلال الاستخدام غير الأمثل للمرونة المالية من حيث تعديل البنود أو المناقلات، وهذا يؤدي في الأخير إلى تباطؤ الإنجاز وعدم تحقيق المستهدفات .

هنا يمكننا قراءة الدور الكبير الذي ستقدمه التشريعات الحديثة، مثل نظام المشتريات الحكومية، وأيضا يمكن قراءة الأثر الفاعل لمنصة اعتماد في تحقيق مستويات عالية من الانضباط المالي، ما أسهم بقدر كبير في تحقيق القضية الثانية التي أشار إليها، وهي كفاءة الإنفاق.
في هذا الجانب، فإن أهم الإنجازات تأتي مع تحقق الاستفادة العظمى من الموارد، فلا يتم الصرف إلا في المشاريع الأكثر جدوى، التي تحقق مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، وهذا ما كان ينقص الأداء الحكومي في فترات سابقة، فلم يكن هناك ربط كاف بين الأهداف والنفقات بطريقة كافية لتبرير حجم الإنفاق، هذا الأمر بالذات كان له تأثير في منهج الاقتراض في المالية العامة. وأكد الوزير بشأن توجيه عمل الحكومة بما يضمن تحقيق المستهدفات المالية، وفي الوقت نفسه تنفيذ المشاريع والبرامج والمبادرات الهادفة إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي ومستوى الرفاهية للمواطنين، وظهر تأثير هذا الاتجاه بشكل واضح في السيطرة على معدلات العجز في الميزانية والدين العام، وفي الوقت نفسه تنفيذ المشاريع والبرامج والمبادرات الهادفة إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي ومستوى الرفاهية للمواطنين.
ومن اللافت للنظر أنه رغم تطبيق قاعدتي الانضباط المالي وكفاءة الإنفاق، إلا أن النفقات الإجمالية زادت بنسبة 6 في المائة، وهذا يعود – كما أشارت نتائج المالية العامة – إلى ارتفاع نفقات المنافع الاجتماعية وتعويضات العاملين بنسبة 3 في المائة لكل منهما مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، كما تم تطبيق خطة تحفيز القطاع الخاص، وعلى رأسها مبادرة الفاتورة المجمعة لمساندة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وزيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية مثل حساب المواطن، والضمان الاجتماعي، وبدل غلاء المعيشة، ومكافآت الطلاب، كما ارتفعت النفقات في قطاعات الصحة والتنمية الاجتماعية والخدمات البلدية ومشاريع الإسكان بنسب تراوح بين 13 و22 في المائة، وهكذا نقرأ أن ارتفاع النفقات جاء تحت مفهوم كفاءة الإنفاق، فهو يعزز تحقيق مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، في دعم القطاع الخاص وجودة الحياة.
من المهم أن نؤكد أثر الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق، الذي أثر في دعم المنشآت الصغيرة والقطاع الخاص عموما مع ما قدمته منصة اعتماد من مشاريع وشفافية أسهمت بشكل فاعل في تحسن النشاط الاقتصادي في المملكة، وهو ما أمكن قراءته من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية 14.4 في المائة، فيما زادت الإيرادات الضريبية على السلع والخدمات 48 في المائة، علاوة على زيادة الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية 10 في المائة. وهكذا، فإن التحسن في أداء المالية العامة في جانب النفقات ورفع الكفاءة العامة لها، يؤدي إلى تحسن النشاط الاقتصادي، وبالتالي إلى فاعلية الإيرادات غير النفطية كلما ارتفع أداء الاقتصاد، وفي المقابل فإن الهدر وعدم الانضباط وانخفاض الكفاءة تخفض من النشاط الاقتصاد وتبقي معادلة الاعتماد على الإيرادات النفطية.