المشكلات النفسية وعلاجها البارانوي

 

 

 

 

اعداد / سام نان

تعريف البارانويا:

بارانويا عبارة عن جملة من الأمراض النفسية العصبية، ويطلق عليه في كثير من الأحيان تسمية جنون العظمة أو الارتياب، ويظهر المرض على شكل أفكار يعتنقها المريض ويؤمن بها إيمانا كبيرا وذلك نتيجة تعرضه للاضطهاد في كثير من الأحيان، حيث يفسر سلوك الآخرين تفسيرا يتسق مع اعتقاداته، فيتوهم توهمات عقلية من نوع معين يؤيدها هو فقط، ويقوم بالدفاع عنها بطريقة منظمة وفي إصرار وحماس وثبات.
فالبارانويا حالة مرضية ذهنية تتميز باعتتقاد قد لا يكون هناك أساس مبنياً عليه، بالتالي فهو اعتقاد باطل، يتشبث به المريض بالرغم من سخافته وقيام الادلة الموضوعية على عدم صوابه.
وللأسف يعتقد مريض البارانويا أنه هو وحده الصائب والفاهم، رغم أن كل ما في ذهنه ما هو إلا هذاءات واهية لا أساس لها من الصحة.
وقد تنمو البارانويا تدريجياً إذا لم يتم علاجها في وقت مبكر فتصل إلي حالة يسئ المريض فيها فهم أية ملاحظة أو إشارة أو عمل يصدر عن الآخرين ويفسره على أنه ازدراء به ويدفعه ذلك إلى البحث عن أسلوب لتعويض ذلك فيتخيل أنه عظيم وأنه عليم بكل شيء.
وعدم علاج البارانويا قد يصل بالمريض أن يصبح في حالة انسجام مع موضوعها فتتكون لديه هلاوس سمعية أو صوتية أو بصرية.
وهنا يظهر عنده جنون الارتياب فيتسم بالعناد والتمسك الزائد بالآراء وعدم الاعتراف بالخطأ والغرور وإرجاع الفشل إلى تدخل الآخرين.
أعراض البارانويا:

1 – سوء الظن
يكن المصاب بهذا المرض مشاعر الكره لكل من حوله وهذا بسبب اعتقاده الدائم بأن الجميع يحاول إيذاءه، فمثلًا تجد الشخص الطبيعي لا يهتم في حال كان متواجد في مكان عام وأمامه مجموعة من الأشخاص، يتحدثون ويلوحون، ويتناقشون، بل يفهم أنهم منشغلون بشؤنهم، ولا يقصدون أي إهانة له، ويعرف أنه الغير معني بهذا.
لكن الشخص المصاب بالبارانويا، تجده يعتقد أن نفس المجموعة فقط يقومون بالتخطيط للإضرار به، وما يضحكون إلا لأن الخطة التي يحيكونها هي خطة محكمة من وجهة نظرهم، أو يضحكون لأنه جاس بالقرب منهم، ولا يقدر على سماع الحديث الذي يدور بينهم.

2 – سوء الفهم المتعمد
بشكل عام يمكن تفسير الأمور على غير حقيقتها، ويكون من المتوقع إعادة النقاط إلى حروفها، وتصحيح الفهم عند الوصول إلى التوضيح، فالشخص الطبيعي في حال فهم أمر على نحو خاطئ، قد يتحرى الحقيقة، وفيما لو أُثبت أنه غير صائب سيعتذر، وينسى الأمر، أما البارانويدي فكل الأمور بالنسبة له سيتم فهمها على الشكل السيء، والسلبي، وفيما لو تم إيضاح الأمور، لن يقتنع بالإيضاح وخاصة في حال كان على عكس ما فهم.
فمثلًا عند إجراء المقابلات بهدف الحصول على المقالات بناءً عليها، يتم استخدام مسجلات الصوت، والهدف منها هو تحري الدقة، وعدم نسيان أي أمر أو الخطأ فيه، لكن ما يقوم البارانويدي بفهمه هو التالي: إن مسجل الصوت هنا حتى يسبب الإرباك له، وحتى يقع في الأخطاء في كلامه نتيجة التلبك، وفي النهاية سيستخدمه هذا الصحفي ضده، وقد يقدمه للقضاء كدليل ضده يدينه ويثبت تقديم المعلومات الخاطئة من قبله.

3 – الجدال دون جدوى
إن الشخص البارانويدي بارع في النقاش إلى حد كبير، فقد تدخل معه في نقاش طويل وحاد، ولكنه دون جدوى، فهو عنيد إلى أعلى الدرجات، إلى درجة يصبح من الصعب فيها حتى محاولة سماع حديث الشخص الجالس بالمقابل والذي يحاول فقط عرض أفكاره.
وبالمقابل قد يتمكن من إقناعك بأفكاره، وتفسيراته، وذلك بسبب كونها مبنية على أساسات واقعية لا أوهام ولا تخيلات، فينجح في جرك إلى معتقداته السيئة، أو في جرك إلى قائمة الأشخاص المتفقين عليه في حال بقيت متشبثًا برأيك.

4 – الانعزال
يجد نفسه المصاب بالبارانويا بأنه قد فقد كل الأشخاص من حوله، ففي البداية كان يكن للناس الكره ما عدا بعض الأشخاص، وعندما بدأ كل شخص منهم بمحاولة فهم ما يعاني، ومحاولة تصحيح طريقته في الفهم، قام تلقائيًا بضمه إلى بقية الناس، وفي النهاية كانت الوحدة والانعزالية هي المأمن له من كل الخطط الشريرة التي يحيكها الجميع للتخلص منه.

5 – العدوانية
سريعًا ما يتحول البارانويدي من شخص منطقي يحلل أوهامه بناءً على أدلة حقيقية موجودة، ويحاور الناس بشكل متقن ومدروس، إلى شخص عدواني لأقصى الدرجات، وقد يصل به الأمر للإيذاء، وذلك فقط في حال اجتمع مع شخص يرفض أفكاره، ومعتقداته، ودائمًا ما يحاول إقناعه بغيرها، وهدفه من ذلك هو النيل منه وحماية نفسه من هذا المتآمر الذي يحاول إخفاء خطط الناس ككل عنه.

6 – البحث عن أدلة
لأن أفكاره يتم بنائها على أسس موجودة وواقعية وحقيقية، ولأن طريقته بالتفكير تكون بتنظيم عالي جدًا لدرجة أنها تصبح منطقية إلى حد كبير، تجد المصاب دائمًا يحاول البحث عن الأدلة التي تثبت أوهامه، فيمكن أن يتتبع من يشك فيه، ويراقبه من بعيد، أو حتى يستعين بكاميرات المراقبة، وغيرها، ولا يتوقف عن هذا مهما كان، بل وفي كل مرة يثبت فيها العكس تجده يستمر بعناد أكبر وبجهد مضاعف.

7 – تضخم الذات
شخص مثله يعتقد أن الخطر محدق به بسبب نجاحه الكبير، وعظمته، والجميع من حوله يتمنون الخلاص منه فقط لأنه شخص مميز وفريد، فما يبرر تلك الاعتقادات لديه، هو غيرة الجميع منه، مع الوقت تبدأ عظمة الذات لديه تزداد، وتتضخم، فيصبح متيقن أنه الأفضل، وبأن لا أحد يمكن أن يتفوق عليه، وهذا بالضبط ما يعزز إيمانه بأفكاره الخاطئة، وبالتالي سوف يزداد المرض قوة لديه، وسيكون من الصعب العلاج.

8 – لا يقدم شيء
شخص مثله يليق به وصف “شخص بارد” كيف يمكن له تقديم أي شيء، فهو يكره الجميع، ويعتقد بشكل جنوني أنه الأفضل على وجه الأرض، فيستحيل أن يعطي أي شيء، لا المشاعر ولا المساعدة ولا الماديات، بل على العكس يود أخذ ما يستطيع من غيره، فهذا حقه لنجاحاته الباهرة، وعقاب لغيره ممن يودون إلحاق الضرر به.

أنواع البارانويا

< بارانويا الاضطهاد:

كأنه يعتقد ان الناس من حوله يتآمرون عليه ويريدون إلحاق الأذى عن عمد، لأنه أفضل منه.

< جنون العظمة:

كأن يعتقد المريض أنه شخصية مرموقة بالغة الأهمية أو النفوذ، متوهماً أنه أفضل من شخصيات عالمية في أي مجال من المجالات التي يشعر بالنقص فيها..
فمثلاً يشعر أنه أفضل كاتب قصصي وأنه يمكنه كتابة كتاب يتفوق به على أي أديب في العالم.. بالرغم من أن الحقيقة أنه بالكاد يكتب سطراً مكوناً من كلمات مبهمة غير مفهومة وليست مفيدة بالمرة.

< بارانويا النصح والإرشاد:

يتوهم مريض البارانويا أنه يمكنه تقديم النصح والإرشاد للآخرين، ويركز في هذا على مَنْ هم أكبر منه سناً وعلماً، حتى يثبت لهم أنهم بالرغم مما وصلوا إليه من علم وبالرغم من فارق السنّ إلا أنه يفهم عنهم ويمكنه أن يقدم لهم المشورة السديدة في أمور حياتهم.
غير أنه يركز دائماً في نصحه لهم في المجال الذي يشعر هو فيه بالنقص، فمثلا لو كان هناك شخص يعمل في مجال الإنترنت، يقوم مريض البارانويا بنصحه بالبحث عن برنامج حماية للمواقع الإلكترونية أفضل مما يستخدمه، رغم أنه لا يعرف أسماء برامج الحماية ولا يفقه شيء فيها.
وعندما يسأله الآخر «ما هو برنامج الحماية الذي تنصحني به؟» يمتنع مريض البارانويا عن أن يجيبه ويبدآ في تغيير الموضوع ثم يتهمه أنه يريد أن يوقعه في شرك أو مكيدة.

< بارانويا التلميح المبرر:

فمريض البارانويا غالباً ما يلقي بكلمات تحمل معنيان: الذم «وهو ما يقصده»، والمدح «وهو ما يبرر به مقصده».
ويستمر مريض البارانويا في التلميح والتبرير إلى أن يصدمه الآخرون ويواجهونه بحقيقته.
أسباب الإصابة بالبارانويا:

1- أسباب داخلية جسدية:

قد يكون مريض البارانويا قد تعرّض للإيذاء الجسدي أو الإصابة بمرض معين في طفولته بثّ فيه الشعور بالعجز عن القيام بعمل معين، وبالتالي تتمركز البارانويا أساسا في القيام بالعمل الذي لا ينفع القيام به إلي من خلال العضو المصاب عنده، فالمصاب بالتلعثم في الكلام يشعر أنه أفضل مذيع أخبار أو أنه مطرب ممتاز، والمصاب في قدميه يشعر أنه أفضل لاعب كرة في العالم. والمصاب بالغباء يعتقد أنه أفضل مفكر في العالم.
2- أسباب خارجية مجتمعية:

وتتمثل في الأحداث السيئة أو المشينة التي قد يعيشها هو حتى وإن اعتقد من حوله أنه لم يعرفها، فقد يرى أبيه أو أمه في أوضاع مخلة، أو قد يرى أخيه يسلك سلوكاً غير شريف، أو قد يتعرض هو نفسه إلي ارتكاب حماقة معينة تبث في داخله الشعور بالنقص والعجر عن التمييز بين ما هوصالح وما هو سييء، أو أنه يفشل في علاقة ما.
أو كثرة الملام له وهو صغير على أخطاء ارتكبها، بالتالي يصاب بالانعزال والميل إلي الوحدة وتجنب إقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين ويتمركز حول ذاته.

3- اضطراب الجو الأسري:

كلما كانت الأسرة مضطربة وغير مستقرة وتتصف بالخلاف الدائم، كلما كانت ذلك له تأثيره السلبي على الطفل، فيعتقد أن كل مَنْ يكبرونه سناً هم جهال ولا يفهمون شيء عن الحياة وأنه يفكر أفضل منهم، فيحاول دائماً أن يأخذ دور الناصح والمرشد والمعلم والطبيب النفسي مع والديه ويحاول دائماً أن يظهر لهم أنهم بلا فهم ولا عقل وأنه هو الذي سيعلمهم، ورغم أنه لم يكن كذلك لكنه مقتنع كل الاقتناع أنه أكثر فهماً منهم، ثم يمتد هذا الاعتقاد إلي أن يصل إلي المجتمع ككل، فيعتقد أن كل من في مجتمعه إنما هم مملوؤون جهلا ويحتاجون إي علمه، فينظر إلي رؤسائه في العمل على أنهم جهال ولا يفهمون وأن ههو الوجيد الذي له القدرة على الإدارة السليمة، رغم أنه لا يفهم أي شيء في الإدارة.

4- التنشئة غير السليمة:

من أخطر مسببات البارانويا هي التنشئة غير السليمة وهو قصور عند الولادين في أساليب التربية الصحيحة.
فمثلاً اللوم الكثير المبالغ فيه على أخطاء يرتكبها الطفل ينمي عنده الشعور بالتذمر والكراهية لمن هم أكبر أو أعلي منه مرتبةً.
والتدليل الزائد ينمي عنده الشعور بالتواكل وعدم الاعتماد على النفس ويتعود أن كل ما يحتاجه يحب أن يجده بدون أن يتعب في الحصول عليه.
كذلك الإحباط المستمر واتهام الطفل بالتقصير الدائم ينمي عنده الشعور بالنقص، وبالتالي يحاول أن يعوض ذلك النقص باختراع قصص بطولية وهمية لم تحدث أصلاً، فمثلاً بعد انتهائه من دراسته يحكي لوالديه أن المدرس أعطاهم مسألة حسابية ولم يقدر أحد من زملائه على حلها، إلا هو فقط الذي استطاع ذلك، وعندما يكبر يقص على والديه أن الشركة التي يعمل فيها إدارتها غير سليمة وهو الوحيد الذي استطاع ضبط عجلة العمل.
وفي العلاقات العاطفية يقص على أصدقائه روايات عاطفية لم يقم بها أصلاً كلها أوهام، ويرجع ذلك إلي تعويض النقص الذي يشعر به في داخله.

4- الصراع النفسي:

إن الصراع النفسي بين رغبات الفرد في اشباع دوافعه وغرائزه وخوفه من الفشل في إشباعها لتعارضها مع المعايير الاجتماعية والمثل العليا، يسبب له حالة من الحقد على الآخرين والميل إلى الانتقام منهم، مع الشعور الدائم أنه أفضل منهم ويحاول أن يثبت لهم ذلك عن طريق الإسقاط الكلامي أو تأليف قصص وهمية لا أساس لها.
علاج «البارانويا»

يمكن عـلاج البارانويا من خلال المسارات والخطوات التالية :

> البدء في استخدام العـلاج المعـرفي عـن طريق تعـريف المريض يذاته وأنه يجب أن يدرك حالته ويعمل على علاج نفسه بنفسه، فمن أهم خطوات العلاج هو التبصير والإدراك، فإن عرف المريض بمشكلته واقتنع أنه يحتاج للعلاج فهذا يسهل كثيراً من الوصول إي بر الأمان والشفاء من البارانويا.

> تدريب المريض عـلى وقف التحليلات المفرطة للمواقف مثل فكرة اشتراك عـدة أفراد في السلوك العـدائي نحوه، لأن الناس أهدافهم متباينة ولا يتفقون في صف واحد معـا إلا فيما ندر.

> تعـليم المريض أساليب التوافق مع المجتمع المحلي، مع عـدم القيام بسلوكيات تتعـارض مع قيم ومعـايير المجتمع حتى لا يزيد التوتر مع الآخرين.

> تقـوية المكونات والأفكار الخاصة بالفرد في مواجهة أي أفكار خاطئة، وهذا التثبيت للأفكار الخاصة يحميه من الانجراف نحو التفسير الخاطئ لأمور الحياة.أي عـدم الانتباه لآراء الآخرين وأفكارهم والتركيز عـلى أفكاره الخاصة.