جمال عبد الناصر من حرب الاستنزاف حتى الوفاة

حرب الاستنزاف والمبادرات الدبلوماسية الإقليمية

استعمل المؤرخ الإسرائيلي، يوآف غلبر، قبل نحو عام، عبارة «الحرب المنسيّة» لتوصيف حرب الاستنزاف، أو حرب الألف يوم كما يطلق عليها بعض الإسرائيليين، في كتابٍ موسوم بهذا العنوان. والاستنزاف مصطلح أطلقه الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، على تلك الحرب التي دارت رحاها بعد هزيمة 1967، واستمرت نحو ثلاثة أعوام.
لا يحتوي الكتاب على تأريخ عسكري للحرب، كما يوضح مؤلفه منذ بدايته، بل يتمحور حول «جهود إسرائيل لترجمة إنجازات حرب 1967 إلى واقعٍ سياسيٍّ جديد، وسعي الدول العظمى إلى التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ ما في الشرق الأوسط في ظروف الحرب الباردة والمنافسة على الهيمنة الإقليمية والعالمية». ولهذا الغرض، تطرّق إلى الاتصالات السياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة والمداولات الداخلية التي جرت لدى الجانبين، من خلال الاستعانة ببرقياتٍ لوزارة الخارجية الإسرائيلية رُفع عنها غطاء السريّة.
ومن بين ما كُشف عنه أنه تبيّن للأميركيين، منذ ذلك الوقت، عدم إمكان الاعتماد على أقوال زعماء إسرائيل بشأن نفي أي مطامع إقليمية، وأن الإسرائيليين يتكلمون بأكثر من لغة. كذلك تهربت الدبلوماسية الإسرائيلية من إعطاء ردّ سلبيّ على مبادراتٍ دوليةٍ للدفع بتسوياتٍ سلمية، على الرغم من معارضتها تلك المبادرات، حتى لا تظهر أنها الجانب الرافض.
كما جادل غلبر بأن دفاع إسرائيل عن الخطوط الجديدة لجبهة القتال، والتي جرى الادّعاء بأنها «الحدود الآمنة» لدولة الاحتلال، تسبّب بتحويلها تدريجيًا إلى محميّة للولايات المتحدة على نحوٍ شبه مطلق، وإلى ورقةٍ استراتيجية في يد الأخيرة ضمن سياق المواجهة مع الاتحاد السوفياتي السابق، فضلا عن التسبّب بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى ما يسميه «مقاول أشغال عملانية» ومكلّف أساسًا بتوفير الأمن الجاري.
وقبل غلبر بعدة أعوام، تصدّى الباحث الرئيسي حول حرب الاستنزاف في شعبة التاريخ التابعة لأركان الجيش الإسرائيلي، وهو ضابط برتبة عقيد، لتفسير أسباب أن تلك الحرب منسيّة، فنوّه بأن هذا النسيان أقرب إلى التناسي، كونه تحصيل عملية إقصاء مسبقة البرمجة والأدلجة من الذاكرة الجمعية، نظرًا إلى أن تلك الحرب «مسّت الروح الوطنية الإسرائيلية في الصميم». وبرأيه، تحاشت دولة الاحتلال استخدام مصطلح استنزاف في أثناء تلك الحرب وما بعدها وصولًا إلى اليوم، والحروب الراهنة التي تشبهها تُسمى «حروبا محدودة» أو «حروبا ذات قوة منخفضة».
وحتى حرب الاستنزاف كانت دولة الاحتلال معتادةً على حروبٍ يكون الحسم فيها جليًّا، في حين أن الاستنزاف حربٌ نفسيَّة تهدف إلى إرباك الرُّوح المعنويَّة للخصم وإنقاصها، وتطاول ليس جبهة القتال فقط بل أيضًا الجبهة الداخلية والرأي العام ووسائل الإعلام، ولا تصل إلى نقطة حسم.
ولفت هذا الضابط إلى أن أول قرارٍ اتخذته هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، بعد انتهاء حرب الاستنزاف، هو عدم خوض أي حربٍ شبيهةٍ بها بعدها. لكنه في الوقت عينه لمّح إلى أنّ الانتفاضة الفلسطينية والمواجهات في منطقة الحدود مع قطاع غزة (قبل «مسيرات العودة وكسر الحصار» أخيرا) تندرج في إطار حرب الاستنزاف، في إشارةٍ بليغةٍ إلى أن خوض حروبٍ من هذا النوع أو عدم خوضها غير مرهون بقرار الأركان العامة.
يقدّم هذا العرض جانبًا من أسبابٍ تجعل حرب الاستنزاف في خانة النسيان أو التناسي من دولة الاحتلال، ولا سيما بالتزامن مع فصل جديد منها متمثّل في «مسيرات العودة» الأسبوعية، المستمرة منذ 30 آذار/ مارس الفائت.
ليس هذا فقط، ذلك أن غلبر يلوّح، ولو إشاريًا، إلى أنه في أثناء حرب الاستنزاف أقدمت مصر على دفع منظومة الدفاع الجوي نحو منطقة قناة السويس. وبموجب قراءاتٍ عسكريةٍ إسرائيلية، شلّت هذه المنظومة التفوّق الإسرائيلي الجوي في بداية حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، بل إن بعض هذه القراءات تعتقد أن مصر ما كانت ستخوض تلك الحرب من دون هذه المنظومة. ويؤكّد هؤلاء أن عبد الناصر أبدى مرونة في محادثات وقف إطلاق النار من أجل التستر على هذه الخطوة.

في يناير 1968، بدأ عبد الناصر حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل، أمر بشن هجمات ضد مواقع إسرائيلية شرق قناة السويس ثم حاصر القناة. وفي مارس عرض ناصر مساعدة حركة فتح بالأسلحة والأموال بعد أدائهم ضد القوات الإسرائيلية في معركة الكرامة في ذلك الشهر. كما نصح عرفات بالتفكير في السلام مع إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية تضم الضفة الغربية وقطاع غزة. بذلك يعتبر ناصر قد تنازل فعليا منذ ذلك الحين عن قيادته للقضية الفلسطينية لعرفات.
ردت إسرائيل على القصف المصري بغارات الكوماندوز، عن طريق القصف المدفعي والغارات الجوية. وأدى ذلك إلى نزوح المدنيين من المدن المصرية على طول الضفة الغربية لقناة السوي. أوقف ناصر جميع الأنشطة العسكرية وبدأ برنامجا لبناء شبكة من الدفاعات الداخلية، في حين تلقى الدعم المالي من مختلف الدول العربية.
استأنفت الحرب في مارس 1969. وفي نوفمبر وبوساطة ناصر تم عقد اتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش اللبناني الذي منح المقاتلين الفلسطينيين الحق في استخدام الأراضي اللبنانية لمهاجمة إسرائيل.
في يونيو 1970، قبل ناصر مبادرة روجرز التي ترعاها الولايات المتحدة، والتي دعت إلى وضع حد للأعمال العسكرية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية، ولكن تم رفض ذلك من قبل إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومعظم الدول العربية باستثناء الأردن. وكان ناصر في البداية رافضا الخطة، لكنه قبل تحت ضغط من الاتحاد السوفيتي، والذي كان يخشى من احتمال جره إلى حرب مع الولايات المتحدة نتيجة تصاعد الصراع الإقليمي. أحبط ناصر أي تحرك نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. في عشرات الخطب والبيانات، افترض ناصر أن أي محادثات سلام مباشرة مع إسرائيل هي بمثابة الاستسلام. وبعد قبول عبد الناصر مبادرة روجرز، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار، وهدأ ناصر في القتال لنقل صواريخ أرض-جو نحو منطقة القناة.
وفي الوقت نفسه، بدأت التوترات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة في الأردن تتزايد، وأطلقت حملة عسكرية للقضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية. دفعت المخاوف من حدوث حرب إقليمية ناصر لعقد القمة العربية الطارئة في 27 سبتمبر، للدعوة لوقف إطلاق النار.
وفاته وجنازته

بعد انتهاء القمة يوم 28 سبتمبر 1970، عانى ناصر من نوبة قلبية. ونقل على الفور إلى منزله، حيث فحصه الأطباء. توفي ناصر بعد عدة ساعات، حوالي الساعة السادسة مساءً. كان هيكل، السادات، وزوجة عبد الناصر تحية في فراش الموت. وفقا لطبيبه، الصاوي حبيبي، كان السبب المرجح لوفاة عبد الناصر هو تصلب الشرايين، والدوالي، والمضاعفات من مرض السكري منذ فترة طويلة.
،من المعروف أن عبد الناصر توفى إثر أزمة قلبية، وقام بتشييع جنازته خمسة ملايين شخص مصري، إذ تعد جنازته من أكبر الجنازات في التاريخ، حيث توفي عن عمر يناهز 52 عاماً، وهو بذلك أصغر سناً من معظم الحكام المصريين الذين سبقوه أو خلفوه، إذ عانى من عدد قليل من الأمراض قبل رحيله.
فلقد كان ناصر يدخن بكثرة، هذا بالإضافة إلى تاريخ عائلته في أمراض القلب التي تسببت في وفاة اثنين من أشقائه في الخمسينات من نفس الحالة. بالرغم من كل ذلك فإن الحالة الصحية لناصر لم تكن معروفة للجمهور قبل وفاته.
بعد الإعلان عن وفاة عبد الناصر، عمت حالة من الصدمة في مصر والوطن العربي. حضر جنازة عبد الناصر في القاهرة في 1 تشرين الأول من خمسة إلى سبعة ملايين مشيع. حضر جميع رؤساء الدول العربية، باستثناء العاهل السعودي الملك فيصل. بكى الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات علنا، وأغمي على معمر القذافي جراء الاضطراب العاطفي مرتين. وحضر عدد قليل من الشخصيات غير العربية الكبرى، منها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس.
بعد أن بدأ الموكب بالتحرك، أخذ المشيعون يهتفون: «لا إله إلا الله، ناصر هو حبيب الله … كلنا ناصر». حاولت الشرطة دون جدوى تهدئة الحشود، ونتيجة لذلك، تم إجلاء معظم الشخصيات الأجنبية. وكان المقصد النهائي للموكب هو مسجد النصر، الذي تم تغيير اسمه فيما بعد ليصبح مسجد عبد الناصر، حيث دفن هذا الأخير.
بسبب قدرته على تحفيز المشاعر القومية، «بكى الرجال والنساء، والأطفال، وصرخوا في الشوارع» بعد سماع وفاته، وفقا لنوتنغ. كان رد الفعل العربي عامةً هو الحداد، وتدفق الآلاف من الناس في شوارع المدن الرئيسية في جميع أنحاء الوطن العربي. ونظم سعيد السبع مسوؤل التنظيم الشعبي الفلسطيني مسيرة مسلحة للفدائيين الفلسطينيين في طرابلس، لبنان، كما انطلقت مسيرة ضخمة في بيروت وقتل فيها أكثر من عشرة أشخاص في نتيجة للفوضى، وفي القدس سار ما يقرب من 75،000 عربي خلال البلدة القديمة وهم يهتفون «ناصر لن يموت أبدا». شريف حتاتة، السجين السياسي سابقا، والعضو في جامعة ولاية أريزونا في عهد جمال عبد الناصر، قال إن:
أعظم إنجاز لعبد الناصر كان جنازته. إن العالم لن يرى مرة أخرى خمسة ملايين من الناس يبكون معا

وفاة أم تسميم ؟

هناك الكثير من الروايات التي تحدثت عن تسميم الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أن أكثر ما أثار الجدل هو تصريح القيادي الفلسطيني عاطف أبو بكر المنشق عن تنظيم فتح المجلس الثوري جماعة صبري البنا، عندما صرح لقناة العربية ببرنامج الذاكرة السياسية مع الصحفي طاهر بركة أن الرئيس عبد الناصر تعرض للتسميم خلال زيارته الخرطوم يوم 2 يناير 1970 لافتتاح معرض الثورة الفلسطينية وأن صبري البنا مع جعفر النميري كانا وراء تسميم الرئيس جمال عبد الناصر. وقد عُرض في البرنامج صورة لمجموعة من ضباط الموساد على رأسهم مايك هراري متنكرين بوصفهما صحافيين، في مؤتمر قمة اللاءات الثلاثة الذي عُقد في الخرطوم عام 1967.