المشكلات النفسية وعلاجها الاكتئاب

اعداد / سام نان

البيئة هي كل ما يحيط بالإنسان تؤثر فيه وتتأثر به، وعليه فإن الإنسان يتفاعل مع كل ما يحيط به، فالأحداث المفرحة يكون تأثيرها إيجابي في حياته ويجعله شخص منتج ومبتكر، وعلى الجانب الآخر.. الأحداث المحزنة تؤدي إلى حدوث الاكتئاب عن الشخص فيمتنع عن الطعام أحياناً أو يأكل كثيراً انتقاما، أو أن النوم يفارق عينيه، أو ينام كثيراً هروباً.
ولكن المهم أنه يظل في حالة من الاكتئاب إلى أن يجد حلاً لمشكلاته أو أن الاكتئاب يؤثر عليه سلباً سواء نفسياً أو جسدياً.
وهناك البعض من الناس الذين قد أثّر عليهم الاكتئاب إلى أن تحول إلى مرض مسيطر عليه وبعضهم أدى بهم الاكتئاب إلى الانتحار.
تعريف الاكتئاب:

هو اضطراب نفسي يصيب الإنسان فيسبب له فقدان الإحساس بالمتعة بل هي حالة تقود الشخص إلى نقص النشاط والإحساس بالخمول والتعب واضطراب النوم والشهية زيادة أو نقصاناً مع الشعور بضآلة الذات، ولوم النفس وأحياناً يؤدي إلى الانتحار.
أسباب الاكتئاب:

هناك سببان أساسيان لحدوث الاكتئاب عند الإنسان سواء كان عرضياً أم مرضياً ونوجزهم في الآتي:

< أسباب خارجية:

إن الإنسان يعيش في بيئة محيطة به، تؤثر فيه وتتأثر به، وعلى هذا الأساس، عندما تحدث ظروف اجتماعية سيئة فإنها تسبب للإنسان حالة من الاكتئاب الذي إذا تُرك ولم يُعالج قد يتحول إلى مرض أو يتسبب في أمراض جسدية كثيرة وقد يصعب علاج بعضها.

ومن الأسباب الخارجية التي تسبب الاكتئاب:

1- الخلافات الزوجية: إن الخلافات الزوجية هي أهم العوامل المسببة للاكتئاب وهي أسرع في تأثيرها السلبي المدمر على الإنسان من أي عوامل أخرى، حيث إنها تتسبب في بادئ الأمر في الاكتئاب كحالة عرضية، ولكن سرعان ما يتحول الاكتئاب من حالة مؤقتة إلي مرض دائم يصعب علاجه، غير أن الخلافات الزوجية تبدأ بالتسبب في الاكتئاب ثم تمتد لتصل إلي الجسد كله فيعتريه أمراض مختلفة مثل الذبحة الصدرية والضغط والسكري وغيره من الأمراض الخطيرة.

2- الظروف المادية: بعض علماد النفس اعتبروا أن الظروف المادية ترتبط ارتباطاً طردياً مع الخلافات الزوجية التي تحدثنا عنها في النقطة السابقة، فعندما تكون الظروف الاقتصادية ميسّرة مع الزوج والزوجة تكون خلافاتهم أقل، ولكن عندما تكون الظروف الاقتصادية معقدة فهذا يزيد من الخلافات الزوجية.
والعكس صحيح أيضاً، فعندما تكون العلاقة بين الزوجين صحيحة وسليمة، يؤثر ذلك على آداء العمل ويحسن من الإنتاج فتتحسن الظروف الاقتصادية، وإن كانت العلاقة بين الزوجين مضطربة فإن هذا يكون له تأثيره السلبي بالضرورة على الإنتاج وأداء العمل بصورة ليست جيدة أو عدم القيام بالعمل المطلوب أساساً فيتسبب في التدهور المادي الذي يزيد من حدة الأمر بين الزوجين فيزيد من الاكتئاب.
غير أنه عند غير المتزوجين أيضاً يكون العامل المادي «بالنقص المدقع أو الزيادة المفرطة» قد يؤدي إلي إصابة الإنسان بالاكتئاب.

3- الأحداث الفجائية المحزنة: من أهم الأحداث المحزنة في حياة الإنسان هي فقدان شخص عزيز عليه ويمثل له قيمة في حياته، بالتالي يتسبب ذلك في الوقوع في براثن الاكتئاب واليأس من كل شيء حتى اليأس من الحياة نفسها.. وقد يقود الاكتئاب في هذه الحالة ليس إلي القدوم على الانتحار فحسب وإنما قد يقود أيضاً إي الوفاة الناتجة عن عدم الرغبة في الحياة، فكثيراً ما نري بين الزوجين اللذين يحبان بعضهما البعض بشدة أنه عندما يموت أحدهما، يعيش الطرف الآخر في حالة من الاكتئاب لفترة قصيرة ثم يلحق به إخلاصاً له ولعدم وجود الرغبة في الحياة بدون شريك الحياة المحبوب.

4- الضغوط النفسية: بما أن الإنسان يعيش في مجتمع، فالاحتكاك بهذا المجتمع قد يولّد عنده حالة من الاكتئاب في حالة كثرة الضغوط عليه.
فعندما يضغط صاحب العمل أو الرئيس المباشر «مثلاِ» على الموظف، ويعامله كأجير عنده فإن هذا قد يسبب عنده تراكمات نفسية وضغوط تؤدي به إلي الاكتئاب، وأحياناً يعبر الإنسان عن ضغوطه النفسية بالصوت العالي أو الانفجار بالكلام مع غيره سواء مع صاحب العمل أو رئيسه المباشر -بصفة خاصة- أو مع زملائه بصفة عامة ويكون الهدف من ذلك هو إخراج المكبوتات الداخلية التي إن احتفظ بها الإنسان في ذاته قد تؤدي به للوصول إلى الاكتئاب المرضي، والتي قد تتسبب أيضاً في اعتلال الصحة الجسدية للإنسان.

< أسباب داخلية:

– الأمراض: إن الأمراض الجسدية بداخل جسم الإنسان قد تؤدي إلى الاكتئاب، فنوعية المرض أو طول فترة المرض قد تؤدي الى خلل في وظيفة الدماغ والنواقل الكيميائية فيه فيحدث الاكتئاب.
ويجدر بنا أن نقول أن الأمراض الجسدية والاكتئاب كلاهما يؤثر على الآخر، فكما أن المرض الجسدي يسبب الاكتئاب، كذلك الاكتئاب يؤدي إلى أمراض جسدية.
أما الأمراض الجسدية «العضوية» التي تسبب الاكتئاب فهي كثيرة جدا حيث ان الجسد والنفس مرتبطان ارتباطا مباشرا.
مثل أمراض القلب والسكري والضغط العالي ونقص الفيتامينات والمعادن في الجسم واضطرابات الغدد.

– الأدوية والعقاقير: وجدت الدراسات الطبية أن أكثر من ثلث الأدوية التي تناولها المشاركون البالغ عددهم 26 ألف شخص كان الاكتئاب أحد الآثار الجانبية لها، والغريب أن من ضمن هذه الأدوية هو علاج الاكتئاب، إذا لم يتم تناوله تحت رعاية الطبيب النفسي.
فهناك عقاقير علاجية قد تكون مسببة للاكتئاب خصوصاً المسكنات التي تحتوي على المواد المخدرة، ومن المعروف لدى الجميع أن المخدرات لا تعالج الاكتئاب بل تسبب الاكتئاب، وبما أن المسكنات هي من أنواع المخدرات فهي بالتالي جالبة للاكتئاب.
ذلك لأن المسكنات تقلل مستويات التوصيل العصبي، والتي تخفض أو تقلل الاستثارة أو التحفيز العصبى، في مناطق مختلفة من الدماغ.
بالتالي فهي تسبب الاكتئاب للإنسان، ومن ضمن هذه العقاقير «الأدوية التي تعالج الاكتئاب أيضاً، فإن لم تؤخذ تحت إشراف طبيب متخصص وبحذر، فقد تأتي بنتائج عكسية وبدلاً من أن تقلل من الاكتئاب تزيده.
وبالتالي نقول بملء الفم أن الأدوية التي تخفف الألم، هي نفسها التي تسبب الخمول والكسل العصبي وفقدان أو ضعف الذاكرة والهزال، وارتخاء العضلات، ونقص التهوية وكلها من العوامل المسببة للاكتئاب.

– الاضطراب الهرموني: من أهم أسباب الاكتئاب خاصة عند النساء في فترة الحمل أو ما بعد الولادة أو في بداية انقطاع الطمث، أو في حالة الكبت الجنسي. وهذا يزيد من عصبيتها ورفضها لمواجهة الواقع والميل إلى الانعزال والوحدة.
أعراض الاكتئاب:

1- فقدان الرغبة في ممارسة الفعاليات اليومية الاعتيادية:
فعند الطلاب تجد الطالب المكتئب، لا يريد أن يذهب لمدرسته ولا يريد أن يستذكر دروسه ويشعر بالإحباط ويكره الكتب الدراسية.
كذلك الشخص البالغ يكره أن يذهب إلى عمله، وإن ذهب فلا يقوم بأداء عمله بشكل جيد ولا يتواصل مع زملائه كالمعتاد لإنجاز العمل.
فالشخص الذي أصابه الاكتئاب يشعر بالملل من أي ممارسات اعتاد عليها وهذا النوع من الناس كثيراً ما يخلدون إلى النوم الجبري للهروب من الواقع وعدم الرغبة في استكمال اليوم.

2- الإحساس بالعصبية والكآبة:
إن الشخص المصاب بالاكتئاب هو أكثر الأشخاص الذين تتم إثارة غضبهم بكل سهولة، لأن المكتئب يكون مكبوت فيه كثير من الضغوط النفسية فتكون بمثابة بالون كبير إن لمسها أي شيء حاد تنفجر في لحظة بدون أي مقدمات.

3- الإحساس بانعدام الأمل:
من أشد أعراض الاكتئاب هي انعدام الأمل.. فعندما تناقش شخصاً وتجد أنه يتحدث عن الغد بصورة متشائمة ولا أمل له في المستقبل «خصوصاً مستقبله هو» اعلم أن هذا الشخص مصاب بالاكتئاب.
فالمكتئب ينظر إلي العالم المحيط به على أنه عالم مظلم لا تسوده الغيوم فحسب، وإنما يسوده ظلام حالك، مما يقنع المكتئب بأنه يستحيل عليه أن يرى بصيص من النور في مستقبله.

4- نوبات من البكاء بدون أي سبب ظاهر:
هذه الحالة تصيب السيدات أكثر من الرجال، فالمرأة التي يصيبها الاكتئاب تجدها تبكي سواء بسبب أو بدون سبب، وإن بكت بسبب فإن السبب يكون غير دافع للاكتئاب، ولكن كونها واقعة في حالة اكتئاب فإنها تبكي تعبيراً عن الحالة التي هي عليها، وقد لا يمكنها معرفة سبب البكاء، لأنها قد تبكي بدون أي سبب، وعندما تسألها لماذا تبكين، تقول: «لا أعرف» ،هذا أكبر دليل على أنها مكتئبة.

5- اضطرابات في النوم:
من أخطر أعراض الاكتئاب هو اضطراب النوم، فالمكتئب شخص كثير التفكير، لا ينام بشكل جيد، ولا ينام ساعات متصلة وقد يكون ليله نهاراً ونهاره ليلاً، وأثناء نومه يعيش في صراعات قد توقظه من النوم، وعندما يستيقظ فإنه يستيقظ بحالة مزاجية مضطربة ويكون عصبياً ويبحث عمّا يعبر به عن اكتئابه، كإثارة المشاكل مع الآخرين، أو عدم الأداء الجيد في العمل، وقد يستمر على هذه الحالة لساعات قليلة ثم يبدأ في العودة إلي حالته الطبيعية بعد عودة الحالة المزاجية إلى طبيعتها.

6- صعوبات في التركيز:
انظر إلي الشخص المكتئب تجده غالباً في حالة عدم تركيز، ليس لأن عنده عدم تركيز بسبب خلل في خلايا التركيز، وإنما لأنه واقع في براثن الاكتئاب، ويحتل الموضوع المسبب له الاكتئاب مكانة كبيرة من تفكيره، وبالتالي لا يمكنه أن يصب تركيزه في أي شيء آخر.

7- صعوبات في اتخاذ القرارات:
إن الأشخاص المكتئبين هم أكثر الناس أصحاب قرارت خاطئة، أو غير متخذي للقرارات أصلاً، فعندما يؤخذ رأي الشخص المكتئب في موضوع ما، يصعب عليه التعبير عن رأيه، وعندما يُطلب منه اتخاذ فرار معين تجاه شيء ما، فإنه يعجز عن اتخاذ القرار أو يتخذ قراراً غير صائبٍ.

8- زيادة أو نقصان الوزن بدون قصد:
وهذا العرض يختلف ويتباين بين نوع الإنسان ذكر أو أنثي، فالمرأة التي تصاب بالاكتئاب قد تصاب بزيادة في الوزن، ومهما تحاول أن تنقص من وزنها أو تتبع نظاماً غذائياً فبدون جدوى، والسبب في ذلك هو أن الاكتئاب يزيد من خمول الغدة الدرقية مما يأدي بدوره إلى زيادة الوزن وتكون وسائل الريجيم عندئذ غير مؤثرة إلي حدٍ كبير، وحتى أدوية علاج الغدة لا يؤثر في هذه الحالة لأن المثير (وهو الاكتئاب) ما زال موجوداً، وفي هذه الحالة يكمن العلاج في إزالة المثير أي الاكتئاب.
علاج الاكتئاب:

لم يكن الاكتئاب مرض عضوي حتى يتم علاجه بمجرد أخذ عقاقير طبية، فقد تكون العقاقير ومضادات الاكتئاب مجرد عوامل مساعدة ولكنها لم تكن هي جذر العلاج، وإنما العلاج الحقيقي للاكتئاب إنما يكمن أولا وأخيراً في الآتي:

1- إزالة المثير أو المسبب للاكتئاب:
فإن كان شخصاً مكتئباً لموت أمه مثلاِ، فإن الزواج في هذه الحالة هو أفضل وسيلة لعلاج حالة الاكتئاب عنده حيث إن زوجته تعوضه عن أمه، وكذلك المرأة التي كانت تعتبر أبيها المتوفي مثالاً لها في الحياة فإن علاجها في أن تجد الرجل الذي يعوضها عن أبيها، والإثنان المحرومان من بعضهما البعض ويعيشان حالة طويلة من الاكتئاب فيكمن العلاج لهما في اللقاء والعيش مع بعضهما البعض.
والذي يعاني من ضغوط من رئيسه في العمل فعلاجه يكمن في تغير رئيس العمل أو تغيير العمل نفسه أو علاج رئيس العمل ليغير أسلوبه مع موظفيه، وهنا نقول أن هذا ما يسمونه علماء النفس «علاج المثير» أي أن نعالج ذلك الشخص الذي أثار أو تسبب في وقوع الموظف في حالة الاكتئاب، فإزالة المثير هو الخطوة الأولى في علاج الاكتئاب.

2- العلاج السلوكيّ المعرفيّ: وسأتكلم في هذه النقطة بطريقة مبسطة يفهمها الجميع.
فالعلاج السلوكي المعرفي هو عبارة عن العمل على تغيير الأفكار والسلوكيّات التي تُساهم في الاكتئاب وتعديلها، فإنه عندما يدرك الإنسان المصاب بالاكتئاب حالته، عليه أن يدرك أن العلاج في يده هو، ولكن لكونه عاجز عن التفكير، فإن الأخصائي النفسي أو المرشد يهديه إلي الأفكار السليمة ويعرض عليه الأفكار الجديدة التي تقوم ببث أفكار جديدة في عقله تعمل على تغيير سلوكياته مما يساعد في اختفاء وانعدام حالة الاكتئاب.

3- التبصير:
وكلمة التبصير هنا تعني أن المعالج للشخص المكتئب يقوم بمساعدته على أن يبصر المشكلة الحقيقية التي تسببت في إصابته بالاكتئاب ليعمل على حلها أو تخطيها أو التغلب عليها عن طريق وضع الحلول أو الحلول البديلة. مثل الزوج الذي يعوض غياب الأب أو الزوجة التي تعوض غياب الأم.

4- بث الأمل:
كما ذكرنا في السطور السابقة أن من أهم أعراض الاكتئاب هو انعدام الأمل، بالتالي فإن بث الأمل في نفس المصاب بالاكتئاب هو من أهم طرق العلاج، فإن مَنْ له رجاء في المستقبل القريب أو البعيد هو شخص يتخطى حالة الاكتئاب ويتغلب على أمراضه التي أصيب بها نتيجة انعدام الأمل.

5- تحديد الهدف:
إن الشخص الذي لا هدف له هو شخص باع نفسه للاكتئاب، ولكن الذي يحدد هدفه ويسعى لتحقيقه أنما هو شخص له القدرة على التغلب على الاكتئاب وهو بالتالي يعالج نفسه بنفسه.

تحمل المسؤولية: يستحيل علاج الاكتئاب خارجياً من شخص آخر بدون ان يتحمل المصاب بالاكتئاب مسؤولية علاج نفسه. فلابد أن يعرف المريض أنه هو طبيب نفسه وعليه أن يتحمل مسؤولية علاج نفسه بنفسه.