المذنبات

اعداد محمد حسين

ذنب هو جسم جليدي صغير يدور في النظام الشمسي يظهر عندما يكون قريب من الشمس، ويعرض في غيبوبة مرئية، وكذلك في بعض الأحيان يظهر الذيل. هذه الظواهر ليست على حد سواء نظرا لآثار الإشعاع الشمسي والرياح الشمسية على نواة المذنب. نواة المذنب هي نفسها مجموعات فضفاضة من الجليد والغبار والجسيمات الصخرية الصغيرة، التي تتراوح بين بضعة أمتار مئات إلى عشرات الكيلومترات. وقد لوحظت المذنبات منذ العصور القديمة وتاريخيا تعتبر التطير.
كلما اقتربت نواة المذنب من الشمس تسخن المادة المتجمدة محررة الغازات من الجسم السديمي ومن سحابة الهيدروجين فإذا حدث التأين (انتزاع إلكترونات خارجية من الذرات) يتكون ذنب متأين ويندفع في الاتجاه المضاد للشمس بتأثير الرياح الشمسية ويتبخر الثلج. فإن الغبارالمغروس فيه يتحرر ويندفع في تراب الذنب بوساطة ضغط الإشعاع الشمسي وبتحرك المذنب بعيدا عن الشمس يقل التسخين ويقل تبعا لذلك تحرر الثلج والغبار وتبدأ النواة عملية التخزين الباردة وعندما يبتعد المذنب عن الشمس بدرجة لا يتبخر معها الثلج يصبح عديم الذنب ويتكون له ذنب جديد باقترابه من الشمس.
معظم مدارات المذنبات تكون كبيرة الاستطالة وأوضاعها عشوائية لذلك يمكنها عبور مستوى مدار الأرض بزوايا شديدة الانحدار وهذا يختلف كثيرا عن حالة مدارات الكواكب التي تميل كلها بزوايا أقل من 8 درجات على مدار الأرض (ما عدا بلوتو فيميل بمقدار 17 درجة) وهذه المذنبات لها فترات دورية قصيرة وترى خلال جزء كبير من كل مدار بالمقارنة بتلك التي لها مدارات مستطيلة مثل مذنب هالي.
وتكتشف المذنبات اللامعة من وقت لآخر والتي يسهل رؤيتها بالعين المجردة ويتم غالبا بوساطة الفلكيين الهواة وفي بعض الأحيان بوساطة الطيارين وقد تم كشف ثلاثة بهذه الطريقة خلال النصف الأول من عام 1970 وتسمى المذنبات بأسماء مكتشفيها مه أن المذنب الأكثر شهرة وهو مذنب هالي يشذ عن هذه القاعدة فقد سمي باسم الرجل الذي اقترح أن له مدارا مغلقا وتنبأ بوقت عودته.
كان الناس يخافون المذنبات قديما قبل أن يعرفوا ماهي، وكان الفلكي إدموند هالي قد شرح ظهور المذنبات، فأعتقد هالي أن المذنبات قد تكون هي أيضا جزءا من النظام الشمسي، وتتحرك في مسارات ثابتة حول الشمس، وبدأ بالإطلاع على كل ما يمكن إيجاده من المدونات عن المذنبات التي ظهرت سابقا، فأكتشف إن المذنب الذي شوهد عام 1682م، هو نفسه الذي شوهد في عامي 1531م، 1607م وإنطلاقا من هذا تنبأ هالي أن المذنب الذي يدعى بإسمه الآن سيظهر ثانية في عام 1758م، وكان إدموند هالي على حق حيث ظهر مذنبه في موعده.
لكن هالي لم يكن على قيد الحياة وقتها ليشاهده، وقد ظهر لآخر مرة عام 1986، وسيظهر مرة أخرى بعد 76 عاما، وإذا كان يظهر المذنب بشكل فترات منتظمة فهذا يدل على على أنه يسير بمسار بيضوي منتظم حول الشمس. لقد كان آدموند هالي أول من قرر أن المذنبات أعضاء في النظام الشمسي تسبح في مدارات على هيئة قطع ناقص، ويوجد في منظومتنا الشمسية أكثر من مائة ألف مليون مذنب تدور حول الشمس بصفة مستمرة على مسافات بعيدة لاتقل عن 18 ألف مليون كيلو متر.

أنواع المذنبات

اكتشف علماء الفلك أن هناك نوعين من المذنبات:
المذنبات الدورية وهي التي تدور حول الشمس بصفة دورية مستمرة. وهي التي أنتزعت من مداراتها الأصلية على بعد ملايين الكيلو مترات ثم أتخذت مدرات جديدة قرب الشمس، قادتها هذه المدارات الجديدة إلى زيارات دورية، منتظة. والمذنبات غير الدورية وهي التي تمر عبر المجموعة الشمسية مرة واحدة ولا تظهر أو تمر ثانية.

التركيب

يدرس الفلكيون تركيب المذنبات بتحليل الضوء الصادر عنها. ويجمع هذا الضوء بالتلسكوبات التي تكون موضوعة على الأرض أو مثبتة في المركبات الفضائية. وقد تمكن العلماء من الحصول على كمية كبيرة من المعلومات عن تركيب المذنبات بدراسة مذنب هالي في عام 1986م، عندما عبر المذنب مدار الأرض في ذلك العام. فقد حلقت أربع مركبات فضائية بالقرب من المذنب وجمعت معلومات عن مظهره وتركيبه الكيميائي.
ويحتوي مذنب هالي على كميات متساوية تقريبًا من الثلوج والغبار. ويتكون الثلج من الماء المجمد، بنسبة 80% تقريبًا، وأول أكسيد الكربون المجمد، بنسبة 15% تقريبًا، وخليط من غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان والنشادر المجمدة، بنسبة 5%. ويعتقد العلماء أن المذنبات الأخرى شبيهة في تركيبها بمذنب هالي.
ويتكون المذنب من جزئين رئيسيين هما النواة وهو الجزء المركزي وتحيط به غيمة أو هالة من الغبار والغاز وكذلك ذيل طويل أيضا من الغاز والغبار.

الخصائص الفيزيائية

< النواة: هي الجزء المركزي الرئيسي للمذنب، وهو الجزء الصلب منه، مكون من نوع خاص من الغبار الذي يطلق علية الغبار المنفوش، لأنه يمكن أن يكون ذو وزن خفيف وملئ بالفتحات كالإسفنج، وفتحات الإسفنج هذه مملوئة بالثلوج في الغالب من الماء وثاني أكسيد الكربون (الثلج الجاف) وأول أكسيد الكربون.
أمدت دراسة نواة كلا من المذنب «هال بوب « والمذنب «هيكوتيك « العلماء بأفكار جديدة حول تركيب وتطور المذنب، ولكنهم ما زالوا لا يعرفون هل النواة صلبة جدا مثل الأرض الصلبة أم ناعمة وقابلة للكسر مثل كرة الثلج، نأمل ان تمدنا مهمة روزيتا القادمة وهبوطها على سطح المذنب بمعلومات لاكتشاف كم مدى صلابته. وعندما يقترب اي مذنب من الشمس، يبدأ بالتبخير وتشكيل غيمة وذيل بشكل مدهش، توضح الصورة الملتقطة للمذنبات بأن التبخير قد يحدث فقط في أماكن معينة في النواة، وهذه البقع من التبخير تدعو «النفاثات»، مذنب هالي كان له ثلاث نفاثات متميزة على سطحه عندما إقترب من الشمس في عام 1986.

< ذؤابة: الذؤابة هي الغشاء الضبابي الذي يحيط بنواة المذنب. وتبين القائمة التالية نسب مكوناتها من المواد المختلفة بالنسبة إلى وجود الماء فيها (مع اعتبار وجود الماء = 100).
يلاحظ وجود مواد عضوية بنسب قليلة.
عند دخول المذنب النظام الشمسي الداخلي، يسبب إشعاع الشمس تبخير المواد الخفيفة التي يحويها المذنب ويخرجها خارج النواة ، وتكون محملة بالغبار. هذا الغبار والغاز الذي يحيط بالمذنب ينتشر حوله بشكل كبير مسببا يتشكل غلاف جوي ضعيف جدا حول المذنب يسمى الهاله أو الغيمة، أما القوة التي تقع على تلك الغيمة (الهالة) من ضغط الإشعاع والرياح الشمسية تسببان في تشكيلها في ذيل طويل وهائل ، ويمتد الذيل خلف المذنب وبعيدا عن الشمس.
عند مرور المذنب من خلال النظام الشمسي الداخلي تسبب الشمس في لمعان كلا من الهالة والذيل ويصبح المذنب مرئي بسهولة من على الأرض ، حيث أن الغبار يعكس ضوء الشمس مباشرة والغازات تتوهج بسبب التأين.
قد تكون أكثر المذنبات ضعيفة جدا ولا تري بالعين المجردة وتحتاج في هذه الحالة إلى مساعدة منظار لنتمكن من رؤيتهم. لكن في بعض الحالات قد يظهر مذنب عندما يكون أقرب في مداره أو أكبر في حجمه ويصبح لامعا يكفي لرؤيتة بالعين المجردة . أو قد يتعرض المذنب إلى إنفجار ضخم ومفاجئ يتسبب في زيادة حجم الهاله بشكل مؤقت نتمكن خلالها من رؤيته بسهولة، مثلما حدث مع مذنب هولمز Holmes في عام 2007.
< الذيل: يُضاء ذيل المذنب عن طريق الشمس ، ويصبح مرئيا من الأرض عندما يَمر المذنب عبر النظام الشمسي الداخلي ؛ حيث يَعكس الغبار ضوء الشمس المباشر ويَضيء الغاز بسبب تأينه بواسطة أشعة الشمس.
ينفصل ذيل الغبار والغاز ويكونان ذيلاً خاصاً لكل منهما، يتدليان بزاوية صغيرة من النواة ً (مما يُعطي ذيلين للمذنب بدلاً من واحد). كثيراً ما يُكوّن ذيل الغبار الذي يُخلفه المذنب أثناء دورانه حول الشمس بهذه الطريقة ذيلاً منحنياً يُسمى «الذيل المضاد». وفي الوقت ذاته، يَكون الذيل المتأين المُكون من الغاز موجهاً دائماً بعيداً عن الشمس ، لأنه يَتأثر بالرياح الشمسية بدرجة أكبر، فيَتبع خطوط المجال المغناطيسي للشمس بدلاً من انحناء مدار المذنب.
النفاث قد يتسبب التسخين الغير متساو لنواة المذنب عن طريق الشمس في انطلاق غازات من مواضع ضعيفة نسبيا في النواة ، ويكون شكلها النافورة أو النفاثات. تلك النفاثات الغازية والغبارية تتسبب في دوران النواة حول محورها وقد تتسبب أيضا في إنفلاق المذنب.
إتضح في عام 2010 أن ثلج ثاني أكسيد الكربون (الثلج الجاف) يستطيع اصدار نفاثات من مواد تخرج من نواة المذنب.
وقد توصل العلماء إلى هذا الاكتشاف بواسطة مركبة فضائية مرت بالقرب من مذنب واستطاعت تصوير مخرج النفاثات ، كما استطاعت تحليل طيف الاشعة تحت الحمراء الصادرة من تلك البقعة ومعرفة بعض مواده.

أشهر المذنبات

مذنّب هالي كان أوّل من أشار إلى مذنّب هالي هو «أدمون هالي» عام 1682م، وسمّي المذنّب نسبةً له، حيث تنبّأ أدمون هالي وتوقّع ظهور المذنّب ولكنّه لم يستطع رؤيته فقد توفّي قبل ظهوره عام 1758م، وتمّ رصده مرّة أخرى من قبل المراقبين البصريّين عام 1910م، حيث ظهر ذيله الطويل، وإنفجارات الغبار التي تسبّب بها والتي تمّ تصويرها، بالإضافة إلى أنّه تمّ إرسال مركبة فضائيّة لدراسة هذا المذنّب من قبل وكالة الفضاء الأوروبيّة والاتّحاد السوفييتيّ واليابان، حيث كشفت دراساتهم بأنّ شكل المذنّب يبدو كحبّة البطاطا، ويبلغ طوله حواليّ 15 كيلومتراً، وعرضه قُدّر بحواليّ 8 كيلومترات.
تاريخ مذنّب هالي ذُكر مذنّب هالي في الكتابات الصينيّة والبابليّة منذ القدم، حيث أشارت هذه الكتابات إلى أنّه تمت ملاحظة هذا المذنّب منذ 239 سنة قبل الميلاد، كما وأشارت هذه الكتابات إلى أنّ وقت ظهور هذا المذنّب هو كلّ 75 عاماً، كما يعتمد ظهور هذا المذنّب اعتماداً على موقع وقوعه هو وكوكب الأرض بالنسبة للشمس، حيث يصبح مذنّب هالي أكثر إشراقاً عندما يكون هو وكوكب الأرض في نفس الجهة التي تقع فيها الشمس وليس في الجهة المعاكسة. خصائص مذنّب هالي لمذنّب هالي العديد من الخصائص، ومنها:
تتكون نواة مذنّب هالي من الماء والعديد من المواد المتطايرة الأخرى والغبار مثل الغبار الصخريّ والكربونيّ. يغطّي سطح نواة مذنّب هالي قشرة خارجيّة تغطّي حوالي 70% من النواة، وهذه القشرة عازلة وداكنة، ولونها أغمق من الفحم وبهذا تعكس حوالي 4% من أشعة الشمس، فلا تسمح بتسامي الجليد وتبخّره، أما بالنسبة لل 30% المتبقية، فإنها تعتبر طبقة نشطة تساهم في إطلاق الغاز والغبار. ترتفع درجة حرارة مذنّب هالي إلى حواليّ 188 درجة فهرنهايت. يدور مذنّب هالي حول مداره الخاص، وهذا يساهم في انبعاث الغاز والغبار بسبب تعرّض مناطق نشطة على سطح المذنّب لأشعّة الشمس. *أثبتت العديد من الدراسات الفضائيّة أنّ نواة المذنب تعتبر جسماً صلباً، حيث أطلق عليها وصف «كرة الثلج القذرة» من قبل العالم الأمريكي فريد ويبل عام 1950م، لاحقاً اكتشف عالم الفلك الإنجليزيّ ر. أ. ليتلتون أنّ النواة لا تعتبر جسم صلب، بل هي عبارة عن سحابة تتكون من الغبار والغازات

مذنب إنكي

هو ذلك المذنب قصير الدورة الذي اكتشفه بيير ميشان في 26 نوفمبر عام 1818 بمدينة مرسيليا, وقد سمي هذا المذنب باسم إنكي نسبة إلى العالم يوهان إنكي الذي حسب لأول مرة مداره بدقة ووجد أن له زمن دوران قدره ثلاث سنوات و115 يوم, وهذا المذنب الذي يمكن مشاهدته فقط في المنظار يتميز بأن زمن دورته يقصر باستمرا وبغير نظام, يمكن تعليل ذلك بالمادة التي تنبعث من الجانب المواجه للشمس إذا افترضنا أن تركيب نواة المذنب تخضع لنموذج «ويبل» وأن هذه النواة تدور, ومن كثرة ما شوهد هذا المذنب فإنه يعتبر أكثر المذنبات التي تم مشاهدتها, فقد شوهد في 47 اقتراباً من الشمس.

المدارات

يصنف الفلكيون المذنبات إلى مذنبات قصيرة الأمد ومذنبات طويلة الأمد، اعتمادًا على الفترة الزمنية التي تستغرقها هذه الأجسام في الدوران حول الشمس، حيث تكمل المذنبات القصيرة الأمد دورة كاملة حول الشمس في أقل من 200 عام، بينما تكمل المذنبات الطويلة الأمد دورة كاملة في 200 عام أو أكثر.
وتتحرك معظم المذنبات المعروفة في مدارات متطاولة حول الشمس، وتخترق عادة المدارات الدائرية للكواكب. ونتيجة لذلك تصطدم المذنبات أحيانًا بالكواكب وتوابعها. ففي يوليو 1994م، على سبيل المثال، اصطدم مذنب يسمى شوميكر ليفي 9 بالمشتري. وقد أدت اصطدامات المذنبات بالكواكب وتوابعها إلى تكوُّن العديد من الفوهات على توابع الكواكب الخارجية وبعض الكواكب الداخلية وعلى القمر.
ويعتقد العلماء أن المذنبات القصيرة الأمد تأتي من نطاق من المذنبات يسمى حزام كويبر، يقع وراء مدار بلوتو، وهو أبعد الكواكب عن الشمس. وتأتي المذنبات الطويلة الأمد من سحابة أورت، وهي مجموعة من المذنبات تبتعد عن الشمس بمسافة تبلغ قدر المسافة بين مدار بلوتو والشمس ألف مرة.

مذنب هيل-بوب

كان مذنب من أوضح المذنبات التي ظهرت في القرن العشرين. وكان واضحاً للعين المجردة لمدة 18 شهراً. وقد اكتشف في 23 يوليو 1995 ومروره كل ثلاثة آلاف سنة.
في الثالث والعشرون من شهر يوليو من عام 1995 شوهد مذنب غير اعتيادي ، يتميز بكبر حجمه وشدة ضيائه خارج مدار كوكب المشتري بواسطة آلان هيل من نيومكسيكو وتوماس بوب من ولاية أريزونا. وعن طريق التحليل الدقيق في صور تلسكوب هابل الفضائي لهذا المذنب تبين أن شدة لمعانه كانت بسبب كبر حجمه غير العادي ، فأنوية أكثر المذنبات تبلغ قطرها تقريبا 1.6 إلى 3.2 كيلومترا ، أي ما يعادل 1 إلى 2 ميلا إلا أن هيل-بوب بلغ قطر نواته حوالي 40 كيلومتراً، أي ما يعادل 25 ميلا. لقد شوهد واضحاً لدرجة إمكانية مشاهدته في سماء المدن المضيئة، وربما يكون من أكثر المذنبات المشاهده في التاريخ.
مذنب هيل – بوب يحمل الصدارة في كونه الأطول في الفترة التي يمكن مشاهدته فيها بالعين المجردة حيث أنه بقي مرئياً لمدة 19 شهراً. وللأسف فلن يظهر مرة أخرى إلا بعد ما يقارب 2400 سنة.