جمال عبد الناصر من أزمة قناة السويس إلي انهيار الوحدة مع سوريا

 

أزمة قناة السويس

رأت فرنسا والمملكة المتحدة، وهما أكبر دولتين مساهمَتيْنِ في شركة قناة السويس، أن تأميم قناة السويس عمل عدائي من قبل الحكومة المصرية. كان ناصر يدرك أن تأميم القناة سوف يحدث أزمة دولية، واعتقد أن احتمال التدخل العسكري من قبل الدولتين (فرنسا والمملكة المتحدة) 80 في المئة.وقال أنه يعتقد، مع ذلك، أن المملكة المتحدة لن تكون قادرة على التدخل عسكريا لمدة شهرين على الأقل بعد الإعلان، ووصف التدخل الإسرائيلي بأنه «مستحيل».
في أوائل أكتوبر، اجتمع مجلس أمن الأمم المتحدة بشأن مسألة تأميم القناة واتخذ قرارا بالاعتراف بحق مصر في السيطرة على القناة طالما استمرت في السماح بمرور السفن الأجنبية من القناة.[112] وفقا لهيكل، بعد هذا الاتفاق «قدر ناصر أن خطر الغزو قد انخفض إلى 10 في المئة». ومع ذلك، بعد وقت قصير، عقدت المملكة المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل اتفاقا سريا للاستيلاء على قناة السويس، واحتلال أجزاء من مصر، وإسقاط عبد الناصرفي 29 أكتوبر 1956، عبرت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء، وسرعان ما تقدمت إلى أهدافها. بعد ذلك بيومين، قصفت الطائرات البريطانية والفرنسية المطارات المصرية في منطقة القناة.أمر ناصر القيادات العسكرية بسحب الجيش المصري من سيناء لتعزيز دفاعات القناة. وعلاوة على ذلك، فقد تخوف ناصر من إرسال سلاح المدرعات لمواجهة القوة الغازية الإسرائيلية (والبريطانية والفرنسية التي هبطت في وقت لاحق على مدينة بورسعيد)، حيث أنه تخوف من تدميرها من قبل قوات الدول الثلاث مجتمعة. اختلف عامر معه بشدة، حيث أصر على أن الدبابات المصرية يجب أن تواجه الإسرائيليين في المعركة. دارت بين كليهما مناقشات ساخنة يوم 3 نوفمبر، وسلم عامر برأي ناصر.
على الرغم من الأمر بانسحاب القوات المصرية من سيناء، فقد قتل نحو 2000 جندي مصري خلال الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية، وتم القبض على 5000 جندي مصري تقريبا من قبل الجيش الإسرائيلي. اقترح عامر وصلاح سالم طلب وقف إطلاق النار، وطلب سالم أيضا من ناصر تسليم نفسه للقوات البريطانية. وبخهما ناصر، وقال أن الجيش لن يستسلم.[118] تولى ناصر القيادة العسكرية. على الرغم من السهولة النسبية التي تم بها احتلال سيناء، لم يلحق بهيبة عبد الناصر في الداخل وبين العرب أي أذى. لتعويض الأداء الضعيف للجيش المصري، أذن الناصر بتوزيع حوالي 400000 بندقية على المتطوعين المدنيين ومئات من الميليشيات التي تشكلت في جميع أنحاء مصر، والتي قادها الكثير من المعارضين السياسيين لجمال عبد الناصر.
أرسلت كتيبة المشاة الثالثة والمئات من عناصر الحرس الوطني إلى بورسعيد لتعزيز الدفاعات المصرية هناك. سافر ناصر والبغدادي إلى منطقة القناة لرفع الروح المعنوية للمتطوعين المسلحين. وفقا لمذكرات البغدادي، وصف ناصر الجيش المصري بأنه «محطم».
عندما هبطت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد في 5-6 نوفمبر، زادت الميليشيات المحلية من مقاومتها وقوة دفاعاتها، وقد أدت مقاومتها الشديدة إلى القتال من شارع إلى شارع. وكان قائد الجيش المصري في المدينة يستعد لطلب شروط لوقف إطلاق النار، ولكن ناصر نهاه عن ذلك. تمكنت القوات البريطانية والفرنسية من الاستيلاء على معظم أجزاء المدينة في 7 نوفمبر قتل من 750 إلى 1000 مصري في معركة بورسعيد.
أدانت إدارة أيزنهاور الأمريكية الغزو الثلاثي، ودعمت قرارات الأمم المتحدة المطالبة بسحب قوات الدول الثلاثة الغازية. أثنى ناصر على أيزنهاور، مشيرا إلى أنه لعب «أكبر الأدوار وأكثرها حسما» في وقف «المؤامرة الثلاثية». وبحلول نهاية شهر ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية والفرنسية تماما من الأراضي المصرية، في حين أنهت إسرائيل انسحابها في مارس 1957 وأطلقت سراح جميع أسرى الحرب المصريين. ونتيجة لأزمة السويس، أصدر ناصر مجموعة من اللوائح فرضت شروطا صارمة للحصول على الإقامة والمواطنة، والتي أثرت في أغلبها على المواطنين اليهود (المصريين والأجانب على حد سواء)، وطرد الآلاف منهم أو أجبروا على مغادرة البلاد.
يوم 8 أبريل، أعيد فتح القناة، وتم تعزيز الموقف السياسي لعبد الناصر بشكل كبير بسبب فشل الغزو ومحاولة الإطاحة به. يقول أنثوني نوتنغ أن هذه الأزمة «هي التي جعلت ناصر أخيرا وبشكل كامل، رئيسا لمصر».
العروبة والاشتراكية

قبل سنة 1957، كانت القومية العربية هي الأيديولوجية السائدة في الوطن العربي، واعتبر المواطن العربي ناصر زعيمه بلا منازع. أرجع المؤرخ عديد دويشا الفضل في ذلك إلى «كاريزما» عبد الناصر، والتي عززها انتصاره في أزمة السويس، واتخاذه من القاهرة مقرا لإذاعة صوت العرب، التي نشرت أفكار عبد الناصر في جميع أنحاء العالم الناطقة باللغة العربية، وكتب المؤرخ يوجين روغان:
غزا ناصر الوطن العربي عن طريق الإذاعة اللبنانيون المتعاطفون مع عبد الناصر والسفارة المصرية في بيروت اشتروا الكثير من وسائل الإعلام اللبنانية للمساهمة في زيادة نشر أفكار عبد الناصر عالميا. كما تمتع ناصر بدعم من المنظمات القومية العربية، في جميع أنحاء المنطقة. وكان العديد من أتباعه يمولونه تمويلا جيدا، ولكنهم افتقروا إلى أي هيكل أو تنظيم دائم. دعوا أنفسهم «الناصريين»، على الرغم من اعتراض عبد الناصر على التسمية، حيث قال أنه يفضل مصطلح «القوميين العرب».
في يناير 1957، اعتمدت الولايات المتحدة مبدأ أيزنهاور وتعهدت بمنع انتشار الشيوعية في الشرق الأوسط. على الرغم من أن ناصر كان معارضا للشيوعية في المنطقة، كانت زعامته للعرب مُعتبَرة كتهديد من قبل الدول الموالية للغرب في المنطقة. حاول أيزنهاور عزل ناصر وتقليل نفوذه الإقليمي من خلال محاولة تحويل الملك سعود إلى موازينه. أيضا في يناير، رئيس الوزراء الأردني المنتخب، والمؤيد لعبد الناصر، سليمان النابلسي انضم بالأردن إلى معاهدة عسكرية مع مصر، وسوريا، والمملكة العربية السعودية.
تدهورت العلاقات بين عبد الناصر والملك حسين في أبريل عندما اتهم حسين ناصر بالتورط في دعم محاولتي الانقلاب ضده، التي قادها علي أبو نوار ورفاقه على الرغم من أن عبد الناصر لم يشترك فيهما، وحل حسين حكومة النابلسي. انتقد ناصر في وقت لاحق حسين على راديو القاهرة، واصفا إياه بأنه «أداة للإمبريالية». أصبحت علاقات ناصر مع الملك سعود عدائية أيضا، حيث بدأ هذا الأخير في الخوف من أن زيادة شعبية عبد الناصر في المملكة العربية السعودية أصبحت تهديدا حقيقيا لبقاء العائلة المالكة.
وعلى الرغم من معارضة حكومات الأردن والمملكة العربية السعودية، والعراق، ولبنان له، حافظ ناصر على مكانته بين المصريين ومواطني البلدان العربية الأخرى.
بحلول نهاية سنة 1957، أمم ناصر كل ما تبقى من الشركات البريطانية والفرنسية في مصر، بما في ذلك مصانع التبغ والإسمنت والأدوية، والفوسفات، بينما لم تسفر جهود ناصر كتقديم حوافز ضريبية وجذب الاستثمارات الخارجية عن نتائج ملموسة، أمم ناصر المزيد من الشركات وجعلها جزءاً من منظمة التنمية الاقتصادية. كان ثلثا الاقتصاد لا يزال في أيدي القطاع الخاص حينها. حقق هذا المجهود قدرا من النجاح، مع زيادة الإنتاج الزراعي والاستثمار في التصنيع. بدأ ناصر إنشاء مصانع الصلب بحلوان، والتي أصبحت فيما بعد أكبر المشاريع في مصر، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل.
قرر ناصر أيضا التعاون مع الاتحاد السوفييتي في بناء سد أسوان كبديل للولايات المتحدة التي سحبت تمويلها للمشروع.
الجمهورية العربية المتحدة

على الرغم من شعبيته الكبيرة لدى الشعب العربي، بحلول منتصف 1957 كانت حليفة عبد الناصر الإقليمية الوحيدة هي سورية. وفي سبتمبر من نفس العام، احتشدت القوات البرية التركية على طول الحدود السورية، معطية بذلك مصداقية للشائعات التي ادعت أن دول حلف بغداد كانت تحاول إسقاط الحكومة اليسارية في سوريا. أرسل ناصر بعض الوحدات إلى سوريا كعرض رمزي للتضامن، مما رفع مكانته في الوطن العربي، وخاصة بين السوريين.
مع تنامي عدم الاستقرار السياسي في سوريا، أرسل وفد من سوريا لناصر للمطالبة بوحدة فورية مع مصر. رفض ناصر الطلب في البداية، مععلا ذلك بعدم توافق النظم السياسية والاقتصادية بين البلدين، وعدم التواصل، وكثرة تدخلات الجيش السوري في السياسة، والطائفية العميقة بين القوى السياسية في سوريا. ومع ذلك، في يناير عام 1958، تمكن الوفد السوري الثاني من إقناع ناصر بقرب استيلاء الشيوعيين على سوريا، وما يترتب عليه من انزلاقها في حرب أهلية. اختار ناصر الوحدة في وقت لاحق، وإن كان قد اشترط توليه رئاسة الوحدة التي ستقوم بين الدولتين وحل حزب البعث، وقد وافق المندوبون والرئيس السوري شكري القوتلي على ذلك. في 1 فبراير، أعلنت الجمهورية العربية المتحدة، وكانت ردة الفعل الأولية في الوطن العربي هي الذهول وفقا للكثير من المؤرخين، ولكن سرعان ما تحول الذهول إلى نشوة كبيرة.
أمر ناصر بشن حملة ضد الشيوعيين السوريين، نافيا العديد منهم من وظائفهم الحكومية.
يوم 24 فبراير، سافر ناصر إلى دمشق في زيارة مفاجئة للاحتفال بالوحدة. وكان في استقباله مئات الآلاف من الأشخاص. أُرسل ولي عهد الإمام بدر في شمال اليمن إلى دمشق ليعرض عليه ضم بلاده إلى الجمهورية الجديدة. وافق ناصر على إنشاء اتحاد فدرالي مع اليمن ليسمى «الدول العربية المتحدة».
أعلن عبد الناصر صدور الدستور المؤقت الجديد الذي أعدته الجمعية الوطنية المكونة من 600 عضو (400 من مصر و200 من سورية)، وحل جميع الأحزاب السياسية. أعطى ناصر كلا من جانبي الوحدة نائبين للرئيس: البغدادي وعامر في مصر، وصبري العسلي وأكرم الحوراني في سوريا.
ثم غادر إلى موسكو للاجتماع مع نيكيتا خروتشوف. في الاجتماع، ضغط خروتشوف على ناصر لرفع الحظر المفروض على الحزب الشيوعي، ولكن ناصر رفض، مشيراً إلى أنه شأن داخلي وليس موضوعا للمناقشة مع القوى الخارجية. وبحسب ما ورد فقد فوجئ خروتشوف ونفى التدخل في شؤون الجمهورية العربية المتحدة. وحسمت المسألة، حيث سعى كلا الزعيمين لمنع الخلاف بين البلدين.

التأثير على الوطن العربي

في لبنان، حدثت اشتباكات بين الفصائل المؤيدة لعبد الناصر والمعارضة له، ومنهم الرئيس كميل شمعون. بلغت الاشتباكات ذروتها خلال أزمة سنة 1958 في مايو. طالبت الفصائل اليسارية المؤيدة لعبد الناصر بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة، بينما أرادت الفصائل اليمينية المعارضة له استمرار استقلال لبنان.
فوض ناصر عبد الحميد السراج الإشراف على هذه القضية، فقدم السراج مساعدات محدودة لأنصار ناصر اللبنانيين تتمثل في المال، والأسلحة الخفيفة، وتدريب الضباط، وكان ذلك أقل من «الدعم واسع النطاق» الذي زعمه شمعون. لم يطمع عبد الناصر في لبنان، حيث رأى أنها «حالة خاصة»، لكنه سعى لمنع حصول شمعون على فترة رئاسية ثانية.
يوم 14 يوليو، أطاح ضابطا الجيش العراقي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالنظام الملكي العراقي، وفي اليوم التالي، قتل رئيس الوزراء العراقي المعارض لناصر، نوري السعيد. اعترف ناصر بالحكومة الجديدة وقال إن «أي هجوم على العراق بمثابة هجوم على الجمهورية العربية المتحدة».وفي 15 يوليو، هبطت قوات مشاة البحرية الأميركية في لبنان، والقوات الخاصة البريطانية في الأردن، بناء على طلب حكومتي البلدين لمنعهما من السقوط بيد القوات الموالية لعبد الناصر. رأى ناصر أن الثورة في العراق فتحت الطريق أمام الوحدة العربية. وفي 19 يوليو، للمرة الأولى، أعلن أنه اختار «اتحادا عربيا كاملا»، على الرغم من أنه لم يكن لديه خطة لدمج العراق مع الجمهورية العربية المتحدة، في حين فضل معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة العراقي وحدة وطنية عراقية. سعى قاسم للحفاظ على استقلال العراق، حيث كان مستاءً من القاعدة الشعبية الكبيرة لعبد الناصر في البلاد، وهذا ما دعى أن تكون القاهرة مقرا للاجئين السياسيين العرب في تلك الفترة، وكان له لقاء بصدام حسين كمعارض لنظام الحكم القاسمي، حيث قدم له بعض النصائح في العمل السياسي القومي.
في خريف سنة 1958، شكل ناصر لجنة ثلاثية تتكون من زكريا محي الدين، الحوراني، وصلاح البيطار للإشراف على التطورات في سوريا. بنقله الأخيرين (الذين كانا بعثيين) إلى القاهرة، حيد ناصر أهم الشخصيات السياسية التي تمتلك أفكارا مستقلة حول الطريقة التي يجب أن تدار بها سوريا.
حول السراج سوريا لدولة بوليسية من خلال سجن ونفي ملاك الأراضي الذين اعترضوا على إدخال الإصلاح الزراعي المصري إلى سوريا، وكذلك فعل مع الشيوعيين.
في أعقاب الانتخابات اللبنانية التي فاز بها فؤاد شهاب في سبتمبر عام 1958، تحسنت العلاقات بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة إلى حد كبير. وفي 25 مارس 1959، التقى شهاب وناصر على الحدود اللبنانية السورية، مما وضع حدا للأزمة اللبنانية.
بحلول ديسمبر، أصبح الوضع السياسي في سوريا أكثر تعثرا، واستجاب ناصر لذلك بتعيين عامر كحاكم عام لسوريا جنبا إلى جنب مع السراج. عارض زعماء سورية هذا القرار واستقال العديد منهم من وظائفهم الحكومية. التقى ناصر في وقت لاحق مع زعماء المعارضة، وفي لحظة ساخنة، هتف بأنه الرئيس «المنتخب» للجمهورية العربية المتحدة، وأولئك الذين لم يقبلوا سلطته يمكنهم أن «يذهبوا بعيدا».
انهيار الوحدة مع سوريا

مارس عبد الناصر سياسة ارتجالية ومتفردة في إدارة شؤون سورية. كانت العناصر المصرية تسير شؤون سورية، وبالذات من خلال مكتب المشير عامر. نقلت كميات من السلاح السوفييتي الحديث من سورية إلى مصر بحجة وحدة الجبهة والحاجة إليها في مصر، وكانت هناك خطط لنقل احتياطي الذهب من مصرف سورية المركزي إلى القاهرة. ازدادت المعارضة للوحدة بين بعض العناصر السورية الرئيسية، مثل النخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. يذكر حسن التهامي في مذكراته أنه قبل الوحدة كانت الزراعة في سورية مربحة وكان فائض القمح السوري يصدر إلى الخارج، وكذلك كانت الصناعة مزدهرة، ولكن عبد الناصر أصدر مرسوما في يوليو 1961 يتضمن تدابير اشتراكية تقضي بتأميم قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري، وهو ما تسبب في أزمة اقتصادية. أرجع ناصر تدهور الاقتصاد السوري لسيطرة البرجوازية الكاملة عليه. رفض عبد الناصر نصائح مقربيه حول ضرورة القيام بإصلاحات في سورية تأخذ بعين الاعتبار رأي ومخاوف السوريين وتجاهل تحذيرات حول مخاطر انهيار الوحدة، كان بعضها من صلاح الدين البيطار الذي قال لدى زيارته القاهرة:
«إن حكم عبد الناصر في سوريا يغرب كما تغرب هذه الشمس»
نفى عبد الناصر وزير داخلية الإقليم الشمالي (سوريا) عبد الحميد السراج في سبتمبر للحد من الأزمة السياسية المتنامية. يذكر أبو الريش أن ناصر لم يكن قادرا تماما على معالجة المشاكل السورية لأنها كانت «أجنبية عليه». حيث كان الوضع الاقتصادي في مصر أكثر إيجابية، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5 في المئة والتقدم السريع للصناعة. وفي سنة 1960، أمم ناصر الصحافة المصرية، من أجل توجيه التغطية نحو القضايا الاجتماعية والاقتصادية في البلاد وحشد التأييد الشعبي للتدابير الاشتراكية التي أصدرها.
إضافة إلى ذلك، كانت السيطرة المطلقة للعناصر المصرية والتعامل القاسي لعبد الناصر مع معارضيه من الشيوعيين والبعثيين وسياسة التعذيب أسبابا أخرى لتذمر الناس وتنامي المعارضة للوحدة.
يوم 28 سبتمبر 1961، شنت وحدات انفصالية من الجيش بقيادة مدير مكتب المشير عامر عبد الكريم النحلاوي انقلابا في دمشق، معلنة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وردا على ذلك اشتبكت معهم وحدات الجيش الموالية للاتحاد في شمال سوريا، وحدثت مظاهرات مؤيدة لناصر في المدن السورية الكبرى. أرسل ناصر القوات الخاصة المصرية إلى اللاذقية لدعم حلفائه، لكنه انسحب منها بعد يومين، معللا ذلك برغبته عدم حدوث قتال بين الدول العربية.
وقبل ناصر انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة يوم 5 أكتوبر، وأعلن أن مصر سوف تعترف بالحكومة السورية المنتخبة، وألقى باللوم في تفكك الوحدة على التدخل من قبل الحكومات العربية المعادية له. وفقا لهيكل، عانى ناصر ما يشبه الانهيار العصبي وبدأت صحته في التدهور بعد حل الاتحاد، كما بدأ في التدخين بشكل أكبر.