الديناصورات منذ العصر الثلاثي حتى العصر الطباشيري (الحلقة 2)

إعداد الجيولوجي: محمد حسين

رئيس مجلس إدارة شركة ABH Training & Supply

ابتعدت القارات عن بعضها كثيراً خلال العصر الطباشيري وبدأت خريطة العالم بأخذ شكل غير بعيد كثيراً عن شكلها الحالي، بالرغم من تغطية البحار الضحلة لجزء كبير منها، وقد كان لهذا أيضاً تأثير على بيئة الكوكب. فوجود أراض بعيدة جداً عن بعضها وفي أجزاء مُختلفة من الكوكب يَعني أيضاً وجود أنواع متعددة من المناخ ومن ثم البيئات الطبيعية. وأيضاً، توجد دلائل على أن الديناصورات قطنت خلال هذا العصر بعض البيئات القطبية اعتماداً على دلائل من موقعين في قارة أستراليا التي كانت لا تزال ضمن الدائرة القطبية الجنوبية في العصر الطباشيري، ويُمكن معرفة ذلك من دراسة أحافير النباتات وبنى الصخور التي كانت متجمدة في الأرض القطبية قبل ملايين السنين.

خلال العصر الطباشيري، انتشرت على أطراف القارات أراضي المستنقعات ودلتا الأنهار – وهي من نوع البيئات التي تحفظ جيداً -، وقد سادت في هذه المستنقعات الأشجار التي تحتاج إلى الماء بشدة مثل السرو. أما من ناحية الديناصورات، فقد كانت هذه البيئات مثالية للديناصورات صائدة السمك مثل السبينوصور. وإلى جانب هذه النوعية من البيئات شبه المائية، فقد كان النوع الآخر السائد من البيئات في العصر الطباشيري هو «الغابات المختلطة» والتي كانت نتيجة بدء ظهور النباتات المزهرة في العصر الطباشيري، وقد كانت هذه الغابات مأوى للعديد من الديناصورات العاشبة مثل الكوريثوصور، كما مثلت في المناطق القريبة من الأنهار موطناً لبعض اللواحم الشهيرة مثل التيرانوصور. من جهة أخرى كان للديناصورات وُجود في بعض البيئات الأكثر اختلافاً خلال هذا العصر، فقد قطنت بعض أنوعها على سبيل المثال في هذه الفترة المناطق القطبية المتجمدة في ألاسكا وأستراليا، ولو أنها لم تكن مختلفة كثيراً عن الديناصورات التي قطنت المناطق المجاورة الأكثر دفئاً.[28] وبالرغم من أن الأحافير لا تقدم الكثير من المعلومات عن بيئات الجبال القديمة، إلا أنه يُعتقد أن بعض أنواعها كانت تقطن هذه المناطق مثل الإدمونتيا. كما أن عدداً كبيراً من الديناصورات الطباشيرية قطنت مناطق الحجر الرملي في الصحارى، ومن هذه الأنواع الغاليميموس والأوفيرابتور والفيلوسيرابتور والبروتوسيراتوبس.

وفقًا لتصنيف النشوء، فإن الديناصورات تُعرف عادة بأنها المجموعة التي تحتوي على «العظاءات ثلاثية القرون، الطيور المعاصرة، بالإضافة إلى أقرب أسلافها، وكل المتحدرين منها». اقترح البعض بأن الديناصورات ينبغي أن تُعرف وفق درجة قرابتها لأقرب سلفٍ مشترك للديناصور العظيم ميغالوصور والديناصور ذي سن الإغوانة إغواندون، بما أن هذين نوعان من ثلاثة نص عليها ريتشارد أوين عندما عرّف الديناصورات لأول مرة. ينتج عن التعريفين نفس مجموعة الحيوانات المعرفة بكونها ديناصورات، ومن ضمنها: الثيروبودات، أو اللواحم ذات القائمتين؛ شبيهات طويلات الأعناق أو الصوروبودات، وهي عواشب رباعية القوائم؛ العظاءات المنصهرة أو الأنكيلوصوريات، وهي آكلة للعواشب ، مدرعة رباعية القوائم (تشبه التمساح) ؛ العظاءات المغطاة أو الستغوصوريات، وهي عواشب رباعية القوائم ذات صفائح عظمية على ظهرها؛ العظاءات القرناء أو السيراتوبسيات، وهي عواشب رباعية القوائم ذات قرون وأهداب، والعظاءات طيريّة الورك أو الأورنيثوبودات، وهي عواشب ثنائية أو رباعية القوائم من ضمنها «بطية المنقار». كُتبت هذه التعريفات لتستجيب للمفاهيم العلمية حول الديناصورات التي تسبق الاستخدام الحديث للتطور العرقي. ويُقصد باستمرارية المعنى منع أي التباس بشأن معنى المصطلح «ديناصور».

هناك شبه إجماع عالمي بين علماء الإحاثة على كون الطيور سليلة الديناصورات الثيرابودية في العصر الحاضر. وباستخدام تعريف علم الأفرع المحدد الذي يوجب تضمين كل سلالات سلفٍ واحد شائع في مجموعة واحدة لجعل هذه المجموعة طبيعية، فإن الطيور تعدّ ديناصورات، وبناءً على ذلك فإن «رتبة» الديناصورات غير منقرضة. تصنف الطيور بواسطة معظم علماء الإحاثة على أنها تنتمي إلى مجموعة «ذات الأيادي السالبة» الفرعية (باللاتينية: Maniraptora؛ نقحرة: مانيرابتورا)، التي تنتمي بدورها إلى مجموعة العظاءات الحلقية أو الكويلوروصوريات (باللاتينية: Coelurosauria)، التي تنتمي إلى مجموعة الثيرابودات، التي تنتمي إلى مجموعة العظاءات مفصلية الورك أو الصوريسكيات (باللاتينية: Saurischia)، التي تنتمي إلى أصنوفة الديناصورات.

من وجهة نظر علم الأفرع، فإن الطيور تعدّ ديناصورات، على الرغم من أن كلمة «ديناصور» في الخطاب الاعتيادي لا تتضمن الطيور بل يُقصد بها تلك الزواحف البائدة. كذلك، فإنه من الصحيح تقنيًا الإشارة إلى الديناصورات بوصفها مجموعة مميزة تحت نظام تصنيف لينيوس الأقدم، الذي يقبل التصنيف شبه العرقي الذي يستثني بعض السلالات المتحدرة من سلفٍ واحد مشترك.

بناءً على ما سلف، يُمكن وصف الديناصورات – دون الطيور – أنها زواحف أركوصورية أرضية ذات قوائم منتصبة وُجدت مُنذ العصر الثلاثي المتأخر، كما يدل عمر الطبقات الصخرية حيث عُثر على أحافيرها، حتى العصر الطباشيري المتأخر.[33] تُعتبر كثيرٌ من الحيوانات القبتاريخية ديناصوراتٍ في التصورات الشعبية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الزواحف السمكية (باللاتينية: Ichthyosauria)، الزواحف الميزية أو الموزاصورات (باللاتينية: Mosasauridae)، البلصورات (باللاتينية: Plesiosauroidea)، الزواحف المجنحة أو البتروصورات (باللاتينية: Pterosauria)، والديناصور ثنائي الأسنان المنتظمة ديمترودون، إلا أنها لا تُصنف علميًا على أنها ديناصورات، فالزواحف المائية كالزواحف السمكية والميزية والبلصورات لم تكن مخلوقاتٍ أرضية أو أركوصورات، وكانت الزواحف المجنحة أركوصورات لكنها لم تكن أرضية، بينما كان الديمترودون حيوانًا برميًا أقرب إلى الثدييات من الزواحف.

كانت الديناصورات الفقاريات المهيمنة على النظام الأرضي في الحقبة الوسطى، وقد وصلت ذروة تنوعها وازدهارها خلال العصرين الجوراسي والطباشيري. كانت مجموعات الحيوانات الأخرى خلال هذه الحقبة مقيدة من حيث الحجم والبيئة الملائمة، وعلى سبيل المثال، فنادرًا ما تجاوزت الثدييات حجم قطة، وكانت غالبًا لواحم بحجم القوارض تتغذى على فرائس صغيرة. يُستثنى من هذه الحالة الربنومام العملاق (Repenomamus giganticus)، وهو حيوان ثديي ينتمي لرتبة «ثلاثية الأسنان المخروطية» (باللاتينية: Triconodonta) تراوح وزنه ما بين 12 إلى 14 كيلوغرامًا، وعُرف بأكله الديناصورات الصغيرة مثل الديناصور الببغائي سيتكوصور.

كانت الديناصورات مجموعة حيوانية شديدة التنوع، ووفقًا لدراسة أجريت في سنة 2006 فإن خمسمائة نوعٍ من الديناصورات قد تمّ تصنيفها حتى الآن ووُثق وجودها السابق، ويُقدر عدد الأنواع المحفوظات في السجلات الأحفورية بحوالي ألف وثمانمائة وخمسين نوعًا، ويُعتقد أن حوالي 75% منها لا تزال بانتظار أن تُكتشف. وتنبأت دراسة سابقة بوجود ثلاثة آلافٍ وأربعمائة نوعٍ من الديناصورات، بينها مجموعة كبيرة لم تُحفظ في سجلات أحفورية. واعتباراً من 17 سبتمبر 2008 سُمي ألف وأربعة وسبعون نوعًا من الديناصورات.كان بعض هذه الديناصورات عاشب وبعضها الآخر لاحم، كما أن بعضها كان يخطو على قائمتين، وبعضها على أربع قوائم، وبعضٌ ثالث كديناصور الرمال أموصور والديناصور ذي سن الإغوانة إغوانودون كان يمشي على قائمتين وعلى أربع قوائم . كان لبعض الديناصورات درع عظمي، أو نتؤات جمجمية كالقرون. وبالرغم من أنها تعرف بحجمها الهائل، فإن كثيرًا من الديناصورات كانت بحجم الإنسان أو أصغر. وُجدت بقايا الديناصورات في كُل القارات الأرضية، بما فيها القارة القطبية الجنوبية. لم يحصل أن اكتشفت ديناصورات عاشت في بيئة مائية أو كانت قادرة على الطيران حتى الآن،[38] برغم أن الثيرابودات المريشة يُمكن أن تكون قد طوّرت مقدرة على الطيران.

الخصائص التشريحية المميزة

أظهرت الاكتشافات الحديثة أنه من الصعب على العلماء وضع قائمة جامعة متفق عليها لخصائص الديناصورات التشريحية المميزة، إلا أنه من المتفق عليه أن لجميع الديناصورات اختلافات معينة في هياكلها العظمية عن هياكل أسلافها من الأركوصورات. وقد ظهر لدى بضعة فصائل من الديناصورات المتأخرة سمات متطورة جعلتها تختلف بعض الشيء عن تلك الفصائل السابقة من ناحية بنيتها العظمية، إلا أن هذه السمات لا تجعل منها فصائل فريدة في رتبة الديناصورات، إذ أنها كانت موجودة لدى الفصائل البدائية التي ظرت في أواخر العصر الثلاثي، وانتقلت عبر مورثاتها خلال الأجيال المتعاقبة إلى سليلتها، ويُطلق العلماء على السمات المشتركة بين مجموعتين تصنيفيتين تسمية «التواسم المشترك» (بالإنجليزية: Synapomorphies) ومثالها خاصية الدم الحار بين الثدييات والطيور.

تشمل السمات الجسدية والتشريحية المشتركة عند معظم الديناصورات: عرفًا طويلاً على عظم عضدها أو القسم العلوي من أذرعها مخصص لاستيعاب العضلات الترقوية الصدرية؛ بالإضافة إلى لوح في نهاية حرقفتها، أي عظم الحوض الرئيسي؛ ظنبوبًا ذو حافة سفلية عريضة وشفة ناتئة نحو الخلف؛ ورباطات على عظم الكاحل لتثبيته على الظنبوب.

تشارك كثير من الديناصورات في عدّة سمات عظميّة أخرى، إلا أنه بسبب كون هذه السمات مشتركة بين مجموعات من الأركوصورات دون الأخرى أو لم تكن مشتركة بين جميع فصائل الديناصورات، فإن العلماء لا يعدّونها سماتًا مشتركة بين مجموعات بعيدة. فعلى سبيل المثال كان لأسلاف الديناصورات زوج من النافذات الحرارية في جمجمتها تقع خلف أعينها، مخصصة لتعديل حرارة جسدها كما للكثير من الزواحف المعاصرة، بصفتها ثنائية الثقوب (ذات فجوتين في جمجمتها إحداها تقع أعلى العين والثانية أسفلها)، كذلك كانت لها فجوات إضافية على الخطم والفك السفلي بوصفها أركوصورات. كذلك كان العلماء يعتقدون أن سماتًا أخرى تعدّ مشتركة بين الديناصورات وكائنات أخرى، لكن الأبحاث الحديثة أظهرت أن هذه السمات ظهرت قبل الديناصورات، أو لم تتطور عند تلك البدائية منها، ومن ثم تطورت عند المجموعات اللاحقة بشكل منفصل، ومن هذه السمات: عظم كتف طويل، وعجز يتألف من 3 فقرات أو أكثر؛ وتجويف في وركها. يواجه العلماء صعوبة أخرى في تحديد الخصائص التشريحية الخاصة بالديناصورات تتمثل في أن تلك البدائية منها تتشابه مع أركوصورات عديدة أخرى من عدّة نواح، أو أنه يُعرف بشأنها قليلٌ من المعلومات، لدرجة جعلت الكثيرين يخلطون بينها منذ زمن.

كانت الديناصورات ذات قوائم منتصبة كما معظم الثدييات المعاصرة، وبهذا فإنها تختلف عن أغلبية الزواحف الأخرى التي تمتلك قوائمًا منبطحة. ويقول العلماء أن الوضعيّة المنتصبة هذه إنما هي نتيجة امتلاكها تجويفًا أفقيًا في حوضها مواجهًا للأمام يقابله نتوء داخلي كبير على عظم الفخذ. سمحت هذه الوضعية للديناصورات أن تتنفس بسهولة أثناء ترحالها، الأمر الذي يُحتمل أنه سمح بازدياد قدرة تحملها ودرجة نشاطها بمقدار لا تستطيع الزواحف الأخرى «المنبطحة» الوصول إليه، بسبب بنيتها العظمية المختلفة. يُحتمل أيضًا أن تكون القوائم المنتصبة قد ساعدت على نشوء وتطوّر الديناصورات العملاقة، بما أنها تخفف من الضغط على الأضلع وتقوسها الذي يتسبب به الطول والوزن الزائد. كان لبعض الأركوصورات من غير الديناصورات قوائمًا منتصبة، لكنها اختلفت عن قوائم الديناصورات من ناحية أنها كانت متعامدة مع الأقدام ومتوازية مع بعضها البعض، وذلك بسبب تكوين مفصل وركها، حيث أن الحرقفة كانت تُشكل لوحًا بارزًا، بدلاً من أن تمتلك نتوءًا من عظم الفخذ يركب على محجر الورك، كما الديناصورات الحقيقية.

الأصول والأسلاف

اعتقد العلماء لفترة طويلة أن الديناصورات متعددة الأعراق، حيث كان منها العديد من المجموعات غير المرتبطة، التي تشابهت مع غيرها في بعض الأحيان كونها تعرّضت لظروف بيئية مشابهة دفعتها لتتطور في نمط متشابه. إلا أن الاكتشافات الحديثة أظهرت أن كل أنواع وفصائل الديناصورات تُشكل معًا مجموعة واحدة غير متفرعة.

انشقت الديناصورات عن أسلافها من الأركوصورات منذ حوالي 230 مليون سنة، أي منذ أواسط حتى أواخر العصر الثلاثي، وبهذا فإنها تكون قد ظهرت بعد 20 مليون سنة من حادثة انقراض العصر البرمي-الثلاثي، التي قضت على ما يقرب من 95% من أشكال الحياة على الأرض، وقد دعمت الدراسات الإشعاعية لتحديد عمر طبقات الصخور التي حوت المستحثات الخاصة بجنس الديناصور الفجري أيورابتور، وهو أحد أكثر أجناس الديناصورات بدائيةً، دعمت هذه النظرية سالفة الذكر.[52] يقول علماء الأحياء القديمة أن الأيورابتور يشابه السلف المشترك لكل الديناصورات؛ وإن ثبتت صحة هذه النظرية فإن هذا يفيد بأن الديناصورات البدائية كانت مفترسات صغيرة الحجم ذات قائمتين. أظهرت بعض الاكتشافات لديناصورات طيرية العنق في طبقات العصر الثلاثي بالأرجنتين أن هذه الحيوانات كانت بالفعل مفترسات صغيرة ذات قائمتين، الأمر الذي يدعم النظرية سالفة الذكر.

كانت الموائل الأرضية مأهولة بأنواع عديدة من الأركوصورات الأولى والزواحف شبيهة الثدييات خلال الزمن الذي ظهرت فيه الديناصورات، ومن هذه الكائنات: السحالي العقابية أو الأيتوصورات (باللاتينية: Aetosauria)، وكلبيات الأسنان (باللاتينية: Cynodontia). انقرضت معظم هذه الحيوانات أثناء العصر الثلاثي في حدثيّ انقراض كبيرين، فمن المعروف أنه خلال القسمين الثاني والثالث من الدور الأول للعصر الثلاثي، أي منذ حوالي 215 مليون سنة، انقرض الكثير من تلك الكائنات البدائية، ومن ثم وقعت حادثة انقراض أخرى منذ حوالي 200 مليون سنة هي حادثة انقراض العصر الثلاثي-الجوراسي، وفيها اندثر ما تبقى من الأركوصورات البدائية، وخلت الأرض لشبيهات التماسيح والديناصورات والثدييات والزواحف المجنحة والسلحفيات.