وردةُ المنافي

أحمد وهبي

ألهذا… نجيئُها صارخين كي لا نُقتل… !!

دُنيانا، وقد حفظناها عن ظهر حاضرٍ وغيب، عن ظهرِ دمٍ ندوِّنُ به شهادات السفر في الإياب والذهاب.
الأغنية، القصيدة، الوردة، الرؤى، الحبيبة… تلك التي في رأسي، لا يُحكى عنها، كي لا تنكسرَ لذاذاتُ الألم.
تنأى المسافات لذاتِها، ولذاتها تقترب بقصص عشقنا الغامضة، كما لو نحتسيها، ننفثُ دخانَ القلق، وطيور اليمام تلاعب أبخرةَ النهارات، لا وقتَ لديها لآلامنا.. وقد ناحت لأبي فراس، للحُلم نذهب.. إلى وميضٍِ تائه، نقطع قالبَ الحياةِ بشريط الذكريات؛ فلا نجهل كيف نلتقي…!!

ألهذا…

كلّما جئناها بمرايانا الّلامتناهية، تُصيبُنا بالشروخ؛ فلا نشفى من ذي أسار، من انفجاراتنا المتنامية الأطراف. زماناً، قبل المجيء الأكبر، سمعتُ لاءاتٍ.. قرأتُ فيها غضبَ الأرواح، شاهدتُ مواتَنا الأُممي، لاءات جوفاء متلازمة أحجياتنا من الهرم للقاعدة… وصولاً إلى هاتي المنافي الوجوديّة. هناك، منذ سبعينَ « شمساً « مطرّزةِ الكُحلِ، أقلَّ أو أكثرَ مقتضبة الرمال، منفسحة النجوم، منسكبة المناديل، في تالدِ استنساخنا، بسخريةٍ تكفينا الظلام، نُمازجُ القهرَ بالكلام، والصورة الحقيقية… مصلوبون، نترجّلُ عن صلباننا لقضاء بعض الحوائج، ثمّ نعود إلى مضاجع صلبِنا بتقنية عصرية…

ألهذا…

لا مطارحَ لدمائنا، لا أمداءَ لندائنا، لا مطرَ… والدُّنيا طوفانُ غضبٍ ونار، طوفانٌ اعتليناهُ بمراكب الأجساد، والمُبارُك على موعده… نوح. نَوْحُ الماءِ، الأحشاء، السماء، الأرضِ، المقابر، وعند الجهات الأربع… جهةٌ بلا أطراف، مشيْناها بقلوبٍ مُفَخَّخة، بقطراتٍ من صدرٍ منسيٍّ بين الحطام… حطامٍ مجرى الإنفجار الكبير، أشقاء النجوم، ننفجر كي نعودَ سيرتَنا الأولى، نتآخى ونظلُّ غرباء…!!؟

ألهذا…

معابر الظلام، نحن الذين كلّما نعود، كلّما نتَّقِدُ، بهذا التوقيت الخفيِّ، بهذا النجيع الدافئ كالحليب، الخفيفِ كريشةٍ في مهبِّ الألوان، نتلألأُ فوق وجناتِ البللّور، تلك، أُمسيةٌ تختال بأروقة آلهة الأساطير، نُجالِدُ فيها كوكباتٍ مغشّاةَ الدُّهور، سوى امرأةٍ حمَلتْ بغُربائها، وانتظرتْ… تحرق الصُّوَرَ الضائعة.

ضوءٌ، ثمة ضوءٌ مقطّعٌ، مبتورُ العِناق، جِمارٌ تقودنا إلى ملحِنا الملطّخ بالطين، عليه أسمالٌ كهيئةِ مَن سار، مَن نام، مَن قرفص، مَن أحتضنتْ وليدَها، مَن احتصن حبيبتَهُ، مَن خِلناهم غابوا، في هذه العتمةِ «المُشمِسة»، على وقْعِ لثغةٍ قارسةِ الحنين، أرتكبُ إثمَ تبتُّلي الأزليِّ، أتنكَّبُ أشباحَ الحقول، لأجل أجَلٍ لطالما يلِّحُ على الضوء…

ألهذا…

نحبسُ العيونَ بقطرات الكؤوس، أجنُّ، أحنُّ إلى أرضٍ لم تكن لغير أهلها، نتوارثُ رائحةَ عرقِها، أكادُ، أجزمُ.. تفهمُ مقاصدي، تعذرُ غراباتِ تقمّصي، انشدادي لسيرة الرحيل، لهذا الرجلِ الغارقِ في قماطةٍ منذورةِ الأشياعِ، الإشباعِ الغريزيِّ، لا يُفطَمُ الهباء.
حينما مدَدتُ يدي خلف حجابِ الوجود، تلقّفتْ يدي في الحياة… رصاصاتٍ أصابها الهذيانُ والخَرف، لها القدرةُ على الضحِك، على اللعب في الرؤوس كالخمرة، في الأجساد ك «حُمرِ مُستنفِرة فرّتْ من قسورة»، ولأنّها الذكريات.. تُفجّرُ نبيذَ الشرايين، قالت إحداها جرحي الغائر في الظلام…

ألهذا…

لم يَغْفُ، أنظر بعينيهِ البعيدتين، أتّأملُ بعشقهِ… كانت ريتا، غيرها ريتا، كان يُسحَلُ، كي يظلَّ يُقتَلُ. يظلُّ، يُميطُ اللثامَ عن وجوه قاتليه، أظلُّ، أعودُهُ قابضاً على وحشة الضوء، كلماتُهُ أوتادٌ بكلماتٍ تطرحُ أصدافَ السَحَرة، وليس الذاهب إلى فرعون، لكنّهُ مفتاحُ العودةِ المعلّقُ على مِشكاةِ العمر، فشكوتُ بثّي ولوعتي، وحبوتُ إلى أقدارٍ بطفلِ ذاتي، الذي إن بكى… بكيتْ، وإن رفعَ الشّمسَ سطعتُ، إن أسالَ عينَ القلبِ، ذهبتُ عميقَ الأرواحِ… لبيتٍ نحن فيه، حتّى ذلك اليوم.. النهار، الذي أطفأ…