أخبار عاجلة


هل تعرف مَنْ هو سقراط؟

من إعداد / أندرو حلمي.. مراسل «الأنوار » في المكسيك

سقراط فيلسوف وحكيم
يوناني ) 470 ق.م – 399
ق.م( يعتبر أحد مؤسسي
الفلسفة الغربية، لم يترك
سقراط كتابات، وجل ما نعرفه
عنه مستقى من خلال روايات
تلامذته عنه. ومن بين ما
تبقى لنا من العصور القديمة،
تعتبر حوارات «أفلاطون » من
أكثر الروايات شموليةً وإلمامًا
بشخصية «سقراط .»
بحسب وصف شخصية
«سقراط » كما ورد في حوارات
«أفلاطون »، فقد أصبح «سقراط »
مشهورًا بإسهاماته في مجال
علم الأخلاق. وإليه تنسب
مفاهيم السخرية السقراطية
والمنهج السقراطي.
ولا يزال المنهج الأخير
مستخدمًا في مجال واسع
من النقاشات كما أنه نوع
من البيداغوجيا )علم
التربية( التي بحسبها تطرح
مجموعة من الأسئلة ليس
بهدف الحصول على إجابات
فردية فحسب، وإنما كوسيلة
لتشجيع الفهم العميق
للموضوع المطروح.
إن «سقراط » الذي وصفه
أفلاطون هو من قام بإسهامات
مهمة وخالدة لمجالات المعرفة
والمنطق وقد ظل تأثير أفكاره
وأسلوبه قويًا حيث صارت
أساسًا للكثير من أعمال
الفلسفة الغربية التي جاءت
بعد ذلك.
سقراط يلقب أحيانًا بأنه
أكثر الرجال حكمة في العالم
القديم، فبعد أن عمل في
الفن وقتًا قصيرًا، تحول إلى
الفلسفة، وثبتت شهرته كمفكر
وعلى جانب كبير من الأصالة
والإبداع. وقد ابتدع طريقة
للتحقيق والتعليم هي كناية
عن سلسلة من الأسئلة تهدف
إلى الحصول على تعبير
واضح ومتماسك عن شيء
يفترض أنه مفهوم ضمنًا من
كل البشر.
وكان دائم السعي وراء
الحقيقة والاهتمام بجعل
مشاكل الحياة المعقدة أسهل
على الفهم، ولتحقيق هذه
الغاية كان مضطرًا إلى مناقشة
الكثير من المعتقدات والتقاليد
المسلم بها.
في حياة بيريكليس كان
سقراط في أمان، لأن هذا
السياسي الكبير كان معجبًا
به كثيرًا، ولكن بعد وفاته شرع
أعداء سقراط في الضغط عليه
لكي يسحب معظم ما قاله،
ولكن لم يقبل بذلك، واستمر
بالعمل في الخط الذي رسمه،
وماكان يعتقد أن الحاجة تدعو
إلى مناقشته، وأخيرًا حكم
عليه بتهمة إفساد الشباب.
وحكم عليه بالموت بتجرع سم
الشوكران القاتل.
تعلم أسس الفلسفة على يد
بارمينيدس وطور نفسه إلى
أن أمسى تحت الأرض ولقد
وردت التفاصيل الخاصة
بحياة سقراط من ثلاثة
مصادر حديثة وهي حوارات
كل من «أفلاطون » و »زينوفون »
)الاثنان من أنصار «سقراط )»
ومسرحيات «أريستوفانيس .»
وقد وصفه بعض تلاميذه،
بما فيهم «إيريك هافلوك » و
«والتر أونج »، على أنه مناصر
لأساليب التواصل الشفوية
حيث وقف أمام الإسهاب
غير المقصود الذي تتصف به
الكتابة.
وفقًا لما ذكره «أفلاطون ،»
اسم والد «سقراط » هو
«سوفرونيسكوس » واسم
والدته هو «فيناريت » وهي
كانت تعمل كقابلة )داية(. وعلى
الرغم مما ورد عن وصفه بأن
شكله كان غير جذاب وأنه كان
قصير القامة، تزوج سقراط من
«زانثيبي » التي كانت تصغره
في السن بكثير. وأنجبت منه
ثلاثة أبناء، هم «لامبروكليس »
و « سو فر و نيسكو س »
و »مينيكسينوس ». وقد انتقده
صديقه «كريتو » من ألوبيكا
لتخليه عن أبنائه عندما رفض
محاولة الهروب قبل تنفيذ
حكم الإعدام عليه. لم يبد
واضحًا كيف كان «سقراط »
يكسب قوت يومه. ويبدو أن
النصوص القديمة أشارت إلى
أن «سقراط » لم يكن يعمل. وفي
كتاب Symposium للمؤرخ
«زينوفون »، نقل عن «سقراط »
أنه كان يقول إنه يكرس نفسه
للشيء الذي يعتبره أهم فن أو
مهنة وهو مناقشة الفلسفة.
وفي مسرحية السحب، يصور
«أريستوفانيس « » سقراط » على
أنه كان يتقاضى مالً مقابل
تعليم الطلاب وإدارة مدرسة
سوفسطائية مع «كريفون ،»
في حين أنه ورد في حواري
«دفاع سقراط » و »المأدبة »
ل «أفلاطون » وفي روايات
«زينوفون » إنكار «سقراط »
الصريح لقبوله أي أموال
مقابل تعليم الطلاب. وفي
حوار دفاع سقراط على وجه
الخصوص، استشهد سقراط
بفقره كبرهان على كونه ليس
مدرسًا. ووفقًا لما ذكره «تيمون
فليوسي » وما ورد في مصادر
أحدث، امتهن «سقراط » مهنة
نحت الصخور عن والده. ولقد
كان هناك اعتقاد في العصور
القديمة بأن «سقراط » نحت
تماثيل ربات القدر الثلاث
التي ظلت موجودة بالقرب
من معبد «أكروبوليس » حتى
القرن الثاني بعد الميلاد، ولكن
لم يصدق العلم الحديث على
صحة هذا الاعتقاد. تشير
العديد من حوارات «أفلاطون »
إلى الخدمة العسكرية التي
أداها «سقراط ». يقول «سقراط »
إنه خدم في الجيش الأثيني
خلال ثلاث معارك، وهي
بوتيديا وأمفبوليس وديليوم.
وفي حوار «المأدبة »، وصف
«ألكيسيبياديس » شجاعة
وبسالة «سقراط » في معركتي
«بوتيديا » و »ديليوم » وذكر
كيف أن «سقراط » أنقذ حياته
في معركة «بوتيديا » كما
ورد الأداء الرائع الذي أداه
«سقراط » في معركة «ديليوم »
ضمن حوار «لاكاس » )أو
الشجاعة باللغة الإنجليزية(
من قبِل الجنرال الذي سمي
الحوار على اسمه وفي حوار
«دفاع سقراط »، يقارن «سقراط »
بين خدمته العسكرية ومعاناته
التي واجهها في قاعة المحكمة
ويقول إنه إذا كان هناك في
هيئة المحلفين من يعتقد أنه
يجب أن ينسحب ويتخلى
عن الفلسفة، فينبغي لهذا
الشخص أن يفكر أيضًا في
أنه لا بد للجنود أن تنسحب
من المعركة عندما يبدو لهم
أنهم سيُقتلون فيها. في عام
406 ، كان «سقراط » عضوًا
في مجلس الشيوخ اليوناني
وكان قومه – قوم Antiochis
– هي التي عقدت مجلس
المحاكمة في اليوم الذي شهد
إعدام الجنرالات الذين شاركوا
في معركة أرجنوسي لأنهم
تخلوا عن القتلى والناجين من
السفن الغارقة من أجل مطاردة
الأسطول الإسبارطي المنهزم
واللحاق به. وكان «سقراط »
أحد الأعضاء الرئيسيين
بالمجلس وعارض المطلب
غير الدستوري الذي اقترحه
«كاليكسنيس » بعقد محاكمة
جماعية لإدانة جميع الجنرالات
الثمانية. في آخر الأمر، رفض
«سقراط » أن يذعن للتهديدات
التي وجهت إليه بأن يتم حتفه
في السجن وأن يتم اتهامه
بالتقصير وأعاق التصويت
الجماعي حتى انتهى مجلس
محاكمته في اليوم التالي
والذي شهد إدانة الجنرالات
والحكم عليهم بالإعدام. وفي
عام 404 سعى حكومة الطغاة
الثلاثين لأن يضمنوا ولاء من
عارضوهم وذلك بتوريطهم
وإشراكهم فيما يقومون من
أفعال. فقد طلب من «سقراط »
وأربعة آخرين أن يحضروا
حاكم مدينة سلاميز من منزله
لتنفيذ حكم إعدام غير عادل
عليه. رفض «سقراط » بهدوء،
ولم يحل دون إعدامه سوى
الإطاحة بحكم الطغاة الثلاثين
التي وقعت في وقت لاحق،
وقبل أن يحكم عليه القضاة
بالإعدام قال سقراط لن أرفض
فلسفتي إلى أن ألفظ النفس
الأخير.
عاش «سقراط » في الفترة
الانتقالية فيما بين ازدهار
الحكم الاثيني وانهياره
حينما هزم أمام مدينة
أسبرطة وحلفائها في معركة
البلوبونيز. وفي الوقت الذي
سعت فيه مدينة «أثينا » وراء
الاستقرار واستعادة مكانتها
بعد الهزيمة المخزية التي
لحقت بها، ربما قد استمتع
الأثينيون بالشكوك التي دارت
حول الديمقراطية كصورة
فعالة للحكم. ولقد بدا أن
«سقراط » من الأشخاص كثيري
الانتقاد للديمقراطية وقد فسر
بعض تلاميذه المحاكمة التي
عقدت له كتعبير عن صراع
سياسي محتدم.
وعلى الرغم من ادعاء «سقراط »
بأنه يبدي الولاء لمدينته لدرجة
بلغت تحديه للموت، تعارض
كل من سعي «سقراط » وراء
الفضيلة والتزامه الصارم
بالحقيقة مع النهج الحالي
للمجتمع الأثيني وسياساته.
لقد أثنى في حوارات عديدة
على «أسبرطة » وهي المنافس
الرئيسي ل «أثينا »، سواءً
أكان ذلك بصورة مباشرة أم
غير مباشرة. ومع ذلك، لقد
مثل موقفه كناقد اجتماعي
وأخلاقي أكثر المناحي
التي تجلت فيها الانتقادات
والإساءات التاريخية التي
أبداها «سقراط » نحو المدينة.
فبدلً من أن يؤيد الوضع
الراهن ويقبل بسيادة الأعمال
اللاأخلاقية في منطقته،
عمل «سقراط » على تقويض
المفهوم الجماعي الذي انتهجه
الآخرون والذي شاع للغاية
في اليونان خلال تلك الفترة،
ألا وهو «إن القوة تصنع
العدل ». ويشير «أفلاطون » إلى
«سقراط » بوصفه ذبابة الخيل
في المدينة )فذبابة الخيل تلدغ
الخيل فتحثها على القيام
بفعل ما، وبالمثل كان «سقراط »
يحث «أثينا » على اتخاذ فعل ما
عن طريق لدغها بالانتقادات(،
لدرجة أنه أرق الحكام وكان
يحثهم دائمًا بأنهم يجب
عليهم مراعاة تحقيق العدل
والسعي وراء الخير. فالأمر
بلغ أن محاولاته لتغيير
مفهوم العدل الذي ينتهجه
الأثينيون كانت السبب وراء
الحكم عليه بالإعدام. ووفقًا لما
جاء في حوار «دفاع سقراط »
لأفلاطون، بدأت حياة «سقراط »
بوصفه «ذبابة الخيل » في
أثينا عندما سأل «كريفون »
وهو صديق «سقراط » مهبط
الوحي في مدينة «دلفي » هل
في الناس من هو أعقل من
سقراط وأكثر حكمة منه؟
فأجاب مهبط الوحي بأنه ما
من شخص أكثر حكمة منه.
وكان «سقراط » يعتقد بأن ما
قاله مهبط الوحي يحوي قدرًا
كبيرًا من التناقض )المفارقة(،
لأنه كان يعتقد أنه ليس لديه
أية حكمة على الإطلاق. فقرر
أن يحل هذا اللغز بأن يدنو من
الرجال الذين كان أهل مدينة
«أثينا » يعتبرونهم من الحكماء
مثل رجال الدولة والشعراء
والصناع المهرة، وذلك لكي
يفند رأي مهبط الوحي.
وحينما طرح «سقراط » عليهم
مجموعة من الأسئلة، توصل
إلى أنه في الوقت الذي كان
فيه كل واحد منهم يعتقد أنه
ذو شأن وحكيم للغاية هو في
الحقيقة قليل المعرفة للغاية
وغير حكيم على الإطلاق.
حينئذ أدرك «سقراط » أن مهبط
الوحي كان محقًا في رأيه،
ولأنه أدرك أنه في حين يعتقد
هؤلاء الرجال بأنهم حكماء
وهم ليسوا كذلك، عرف أنه هو
نفسه غير حكيم على الإطلاق،
وبالتالي، ومن هذا التناقض،
يكون هو الأكثر حكمة لأنه
الوحيد الذي أدرك جهله.
وهذه الحكمة التناقضية
التي توصل إليها «سقراط »
أظهرت أبرز الأثينيين الذين
تحاور معهم كحمقى، وبالتالي
انقلبوا عليه واتهموه بالإثم.
وقد دافع «سقراط » عن دوره
كذبابة الخيل التي تحث أثينا
حتى آخر حياته، فعندما طلب
منه في محاكمته أن يقترح
أسلوب العقاب الذي يتلقاه،
اقترح أنه لا يستحق العقاب
بل يجب أن يثاب ويرى بأن
حقه أن يحصل على مكافأة
وهي أن يعيش بقية أيامه
على نفقة الدولة كسبيل لمنحه
ما يستحقه لقضائه الوقت
سعيًا وراء إفادة الأثينيين.
ومع ذلك، أدين بتخريبه لعقول
الشباب الأثينيين وتم الحكم
عليه بالإعدام عن طريق تناول
شراب معد من نبات الشوكران
السام.
ووفقًا لما جاء في رواية
«زينوفون »، ألقى «سقراط »
عن عمد دفاعًا جريئًا أمام
هيئة المحلفين، لأنه كان يعتقد
أنه من الأفضل له أن يموت.
ويواصل «زينوفون » حديثه
ليصف دفاع «سقراط » والذي
يوضح قسوة العهد القديم
وكيف كان «سقراط » سعيدًا
لأنه سيهرب من هذه القسوة
بإعدامه. كما يفهم ضمنًا من
وصف «زينوفون » أن «سقراط »
تمنى أيضًا الموت لأنه كان
يعتقد فعليًا أن الوقت المناسب
قد حان لأن يفارق الحياة.
ويتفق أفلاطون وزينوفون
على أن «سقراط » كانت لديه
الفرصة للهرب، حيث كان
بإمكان تابعيه أن يقدموا
رشوة لحراس السجن. لكنه
اختار البقاء لعدة أسباب هي:
لأنه كان يعتقد أن الهروب
قد يشير إلى خوفه من الموت
وهو الخوف الذي اعتقد بأنه
لا وجود له لدى أي فيلسوف
حقيقي.
لأنه لو هرب من أثينا، لن
تلقى تعاليمه أي نجاح في
مدينة أخرى لأنه سيستمر
في محاورة كل من يقابلهم
وسيثير استياءهم بالطبع.
ولأنه وافق- على نحو متعمد-
على أن يعيش بالمدينة
ويخضع لقوانينها، فهو قد
أخضع نفسه ضمنيًا لاحتمالية
أن يتهمه أهل المدينة بارتكاب
بالجرائم وأن يدان من قبل
هيئة المحلفين. ولو قام بما
ينافي ذلك، ذلك ليعني أنه
يخرق العقد الاجتماعي الذي
وقعه مع الدولة وبالتالي
سيسبب ضررًا لها ومثل هذا
التصرف ينافي المبادئ التي
ينتهجها «سقراط .»
وكانت الأسباب والحجج التي
تكمن وراء رفضه الهروب
موضع اهتمام حوار «كريتو »
لأفلاطون. وقد تم وصف وفاة
«سقراط » في نهاية حوار
«فيدون » ل «أفلاطون ». وفيه
رفض «سقراط » الحجج التي
قدمها «كريتو » كذريعة لمحاولة
الهروب من السجن. وبعد أن
تجرع السم، أصدر له أمر بأن
يمشي حتى يشعر بتنميل في
القدمين. وبعد أن استقلى على
السرير، قام الرجل الذي منحه
السم بالضغط بشكل مؤلم
على قدميه. لم يعد «سقراط »
يشعر بقدميه. وتسرب فقد
الإحساس بأعضاء جسمه
ببطء خلال جسمه حتى وصل
إلى قلبه. وقبل أن يقضي نحبه
بفترة قصيرة، تحدث «سقراط »
إلى «كريتو » قائلاً: «أنا مدين
إلى «أسكليبوس ». رجاءً لا
تنس أن تدفع له هذا الدين .»
و »أسكليبوس » هو إله الطب
عند الإغريق ومن المحتمل أن
الكلمات الأخيرة ل »سقراط »
كانت تعني أن الموت هو
شفاء للروح وتحررها من
الجسد. وقد حاول الفيلسوف
الروماني «سنيكا » أن يحاكي
وفاة «سقراط » بالسم حينما
أجبره الحاكم «نيرون » على
الانتحار.