هجرة اللاجئين الى اوروبا قد تعالج كارثة ديمغرافية فيها وتخلق مشاكل جديدة

Pierre-264x300

بقلم بيار سمعان

pierre@eltelegraph.com

 

تشير التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ان عدد السكان الذين تبلغ اعمارهم فوق 60 سنة سوف يتضاعف بحلول عام 2050.
واظهرت الارقام ان عدد هؤلاء بلغ 841 مليون نسمة (فوق 60 سنة) سنة 2013 ومن المتوقع ان يصل الى مليارين بحلول سنة 2050.
للاسف يرافق هذا الارتفاع في عدد المسنين انخفاضاً في عدد الولادات على المستوى العالمي الى مستويات قد تكون اقل بكثير  مما هو مطلوب لاستبدال عدد المسنين المتقاعدين. وسيصبح عدد كبار السن (فوق 60 سنة) يفوق عدد الاطفال للمرة الاولى في تاريخ البشرية، بحلول 2047.
وفي حين يتطلع رجال الاعمال الى الاستفادة من هذه التبدلات الديمغرافية وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات تتلاءم مع حاجات هذه التحولات، مثل اقامة تجمعات سكنية لكبار السن والتقاعد فيها، وتوجيه قطاعي الخدمات والرعاية الصحية لكي تتلاءم مع متطلبات هذه الطبقة المتنامية من كبار السن، يبدو ان المخاطر ستكون اشد ضرراً على اقتصاد البلدان، نظراً لانخفاض اليد العاملة المنتجة التي تؤسس لقيام اقتصاد يضمن الاستمرارية ويدعم انظمة التقاعد والضمانات الصحية والرعاية. اذ ان قلة منتجة سوف تصبح ملزمة بأكثرية غير منتجة.
وهذا قد يتسبب بمخاطر عديدة.
 لاجئو افريقيا والشرق الاوسط والمعضلة الاوروبية
وفيما يبدو القادة الاوروبيون حائرين حيال ظاهرة تدفق الالاف من اللاجئين الشرق اوسطيين والافارقة على شواطئها الجنوبية وحدودها الشرقية. يرى بعض الباحثين ان هذا الدفق الهائل من طالبي اللجوء يأتي في زمن هام تعاني اوروبا فيه من التباطؤ في نموها السكاني. وارتفاع في عدد كبار السن. ويشجع هذا الفريق اوروبا على فتح ابوابها لامواج اللاجئين، لأنها «تضرب عصفورين بحجر واحد». فهي تعالج ازمة اللاجئين كما انها تعالج مشاكلها السكانية الاقتصادية.
بالطبع يؤيد كثيرون هذه النظرية. فالمجتمعات التي لا تعيد انتاج نفسها سكانياً من جيل الى جيل، يجب ان تعتمد على استيراد المواطنين والعمال ودافعي الضرائب من بلدان اخرى.
لكن رغم كل هذه الايجابيات، لا يمكن ان نتجاهل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن اعباء إيواء اعداد غفيرة من المهاجرين الجدد والذين يختلفون اثنياً وثقافياً ودينياً ولغةً عن المجتمع الحاضن، خاصة في اوروبا التي سعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للحفاظ على كيان الدولة الامة المنسجمة في تركيب سكانها، ثقافة ولغة…
وحيال هذا الواقع تنقسم الآراء مرة اخرى الى تيارين متعارضين، فيرى البعض ان استيعاب اعداد ضخمة من النازحين العرب دون التأكد من هوياتهم وسجلاتهم القانونية وتاريخ حياتهم يفسح المجال لدخول عناصر متطرفة وجماعات ارهابية… فيما يرى آخرون ان استقبال هؤلاء بذراعين مفتوحتين لن يخلق مشاكل اجتماعية جديدة اخطر من المشاكل الديمغرافية التي قد لن تتمكن من معالجتها مستقبلاً

 سيصبح عدد كبار السن (فوق 60 سنة) يفوق عدد الاطفال للمرة الاولى في تاريخ البشرية، بحلول 2047

ويؤكد اصحاب هذا الرأي ان الازمة السكانية بدأت تنكشف في جميع انحاء اوروبا التي تحتاج يوماً بعد يوم الى المزيد من  اليد العاملة الشابة لتتمكن الدول الاوروبية من تفعيل نظام الخدمات الصحية والاجتماعية لديها، واعادة تفعيل عملية الاستيطان في المناطق الريفية التي بدأت تخلو من سكانها وتوفير الرعاية لكبار السن، لأن هذه الدول اصبحت غير قادرة على كفاية ذاتها.
فعدد سكان اسبانيا  بدأ يتناقص منذ 2011 والبرتغال، منذ 2012 وعدد كبار السن في ايطاليا سيتضاعف 6 مرات بحلول 2050، والمانيا لديها اقل نسبة من الولادات في العالم حسب احصاءات 2008 و1993. كما انخفض معدل الانجاب في ايطاليا من 2،37 في سنة 1970 الى 1،39 ٪ في سنة 2013.
وخلال السنوات العشر الاخيرة بلغت نسبة الوفيات في المانيا اكثر من الولادات ( في سنة 2014 توفي 153 الف الماني اكثر من الاطفال الذين ولدوا في ذلك العام).
ويتوقع خبراء علم الاجتماع ان ينخفض عدد سكان المانيا بحلول سنة 2060، من 81 مليون نسمة الى 67 مليون نسمة. كذلك يقدر خبراء علم السكان انه بحلول 2050 ستتقلص القوة الانتاجية في المانيا من 7 بالمئة، وهي النسبة الحالية، الى 54 بالمئة، وهذا التقلّص هو حاصل رغم تدفق اليد العاملة الشابة من المهاجرين، واحتمال دخول 800 الف لاجئ يصلون هذه السنة.
فالدول الاوروبية لم تعد قادرة على انتاج ذاتها فقط، بل يقدر الخبراء انه بحلول 2050 ستبلغ نسبة السكان في البرتغال، من فئة الاعمار دون 15 سنة فقط 11،5 بالمئة من تعداد السكان.
اضف الى ذلك هجرة الاوروبيين انفسهم الى بلدان اخرى ذات «مراع خصبة» . فقد هاجر مئات الالاف من البرتغاليين منذ 2011 بينما تضاعف عدد المهاجرين الايطاليين الى الخارج خلال نفس  المرحلة.
وحدها الدول الاسكاندينافية تمكنت من الحفاظ على التوازن بين الولادات والوفيات بفضل اعتماد حكومتها برامج تشجيع الانجاب ونتيجة للازدهار الاقتصادي فيها. كما فتحت حكومات السويد والنروج ابوابها لتقبل المزيد من المهاجرين.
وخلال اجتماع عقد في بروكسيل في شهر حزيران الماضي دعا رئيس وزراء السويد الدول الاوروبية لتحذو حذو بلاده. وقال : لن اضع الاوساخ تحت السجادة. الواقع يشير اننا امام تحديات هامة في هذه المرحلة مع اقبال العدد الهائل من طالبي اللجوء، لكن علينا ايضاً ان ندرك ان هذا الدفق الاجتماعي هو رصيد صالح لنا. فان احسنا  الاستفادة منه الآن، وإلا نحن ذاهبون نحو مشاكلة هائلة في السنوات القليلة المقبلة. وان كانت الشعوب الاوروبية ليست على استعداد لانجاب المزيد من الاطفال، فلا يبقى امامنا سوى خيار استيراد مواطنين من دول اخرى.
فماذا ستكون آثار هذه التدابير على مستقبل اوروبا؟ وحده الزمن هو الحكم..pierre@eltelegraph.com