نصف قرن على انطلاقة كارلوفي فاري

شهد مهرجان كارلوفي فاري في الويك إند المنصرم زحفاً بشرياً هائلاً لم يحدث مثيلٌ له طوال السنوات الأخيرة. أهي الحرارة المرتفعة التي جعلت الناس يقصدون المساحات المفتوحة، أم الاحتفالات التي عمّت الشوارع والساحات لمناسبة بلوغ التظاهرة السينمائية الأهم في أوروبا الوسطى دورتها الخمسين؟ أو ربما حلول الممثل الأميركي ريتشارد غير ضيفاً باهظ الثمن على سهرة الافتتاح لتسلّم جائزة فخرية عن مجمل أدواره التي كرّسته ممثلاً من الصفّ الأول؟ أياً تكن الأسباب الكامنة خلف “جماهيرية” هذا العرس السينمائي الشعبي، يمكن القول إنّ كثيرين من زوّار كارلوفي فاري لن ينسوا ليلة صخبٍ رهيبة استمرّت حتى الفجر، رقصاً وغناءً وموسيقى. في الباحة الخارجية لفندق “تيرمال” الذي يتحوّل مقرّاً للمهرجان طوال تسعة أيام، عزفت فرقة موسيقية ألحاناً تشيكية متنوعة، مخلِّدةً لحظة جميلة في حياة التشيكيين، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً ومراهقين. الأكبر منهم سناً تذكّروا أيام الستار الحديد الذي قبض على حرّيتهم، فيما أصغرهم راح يُمعن النظر في المستقبل الذي ينتظره. المدينة كلها تحوّلت احتفالية مفتوحة، حيث تساوى المنتجون الذين يرتدون السموكينغ بالطلاب البراغيين الذين ينتعلون صنادل وعلى ظهورهم شنطة!
العرض الذي خصّصته إدارة المهرجان للافتتاحية، اتسم بالطول والغوص في التفاصيل. مبادرةٌ لا مفرّ منها عندما نحصي عدد الدورات والمحطات التي يجب المرور بها، ولو سريعاً، في سيرة مهرجان عرف الصعود والهبوط، وعاصر آخر ستة عقود من تطوّر السينما ونهضتها في العالم، محتفياً بعدد غير قليل من السينمائيين، بينهم لويس بونويل وميلوش فورمان ورومان بولانكسي. الأهم من هذا كله، أدرك في منتصف التسعينات ضرورة فكّ الارتباط بالسطوة الروسية التي كانت حوّلت كارلوفي فاري طوال سنوات، مساحةً لأفلام الأصدقاء والحلفاء. المقدّم ماريك إبن استخدم بعضاً من خفة دمّه وهو يواكب المَشاهد التي تتدفق خلفه على الشاشة العملاقة. صور ولقطات الأرشيف راحت تتسارع على إيقاع التعليق الصوتي لماريك إبن، حيناً بصوتٍ نوستالجي خافت وحيناً بسخرية لاذعة. الحرب الباردة، الفنّ المؤدلج، البروباغندا، هذه كلها مرتّ أمام عيون أجيال عدة من السينيفيليين، وتعالى الضحك في الصالة عند عَرْض لقطة لرئيس المهرجان ييري بارتوشكا مقدّماً البيرة للممثلة الأميركية ميّا فارو.