موضة الخطف… قرار المواجهة اتخذ بانتظار النتائج

لم يعتد لبنان الا خلال الاحداث والحروب التي عانى منها، على «موضة» الخطف. كانت الميليشيات تختطف اناساً اما لاسباب حزبية او عقائدية او دينية، ولكن رغم الالم الانساني الذي تسببه هذه الظاهرة، الا انه معروف انها تترافق مع الفلتان الامني والحروب التي يعاني منها اي بلد.
ولكن «موضة» الخطف من اجل فدية درجت في لبنان منذ سنوات، وكادت انباء الخطف في هذا السياق تحتل كل اخبار وسائل الاعلام، وخصوصاً ذوي الاحوال الميسورة الذين كانوا يتخوفون من التنقل داخل لبنان والتعرض للخطف على ايدي شبان يطلبون مبلغاً من المال لاطلاق سراحهم لاحقاً.
ومع عودة الاستقرار الامني الى لبنان، خفت هذه الظاهرة بشكل كبير، وها هي تطل برأسها مجدداً عبر حادثة خطف سعد ريشا، ولكن… كان لافتاً الطريقة التي قوبلت فيها هذه الحادثة ورد الفعل السريع الذي حصل ليس فقط من قبل القوى الامنية، بل ايضاً من قبل القوى السياسية وحتى الاجتماعية، والتي ادت الى النهاية السعيدة المرجوّة، بعد اقل من 48 ساعة على عملية الخطف، وتطويق الجيش لمنطقة بريتال.
من المهم القول ان الردّ على العملية اتى بمثابة رسالة قوية، يمكن ان تكون الغاية منها افهام من يجب افهامه ان هذه «الموضة» لن تعود مجدداً، وان هذا القرار متخذ على صعيد امني-سياسي محلياً واقليمياً ودولياً. اما اسباب هذا القرار، فتعود اولاً الى ان من الناحية الامنية لم يعد من المفيد لاحد التشكيك بالقوى الامنية اللبنانية وبقدرتها على الامساك بالوضع الامني. وبعد رفع الحظر عن عودة الخليجيين الى لبنان واصرار المسؤولين في هذه الدول والرئيس اللبناني العماد ميشال عون على توفير الامن من اجل السياحة، بات من الضروري الضرب بيد من حديد لاثبات ان الاقوال ستقرن بالافعال، ولتأكيد على ان الامن السياحي متوافر في لبنان بشكل افضل مما هو عليه في الدول المحيطة. كما انه ليس من المسموح ان يكون هذا البلد مستقراً فيما الحروب مندلعة من حوله، وان يهتز وضعه الامني بينما الوضع بدأ يتجه نحو الحلحلة، والمنظمات الارهابية تتفكك شيئاً فشيئاً.
اما على الصعيد السياسي، فمع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، ووفق اي قانون كان، لن يخاطر اي طرف في تأمين الغطاء السياسي لمن يهدف الى زعزعة الامن، فيظهر وكأنه راع للفلتان وهو يدعو خلال الحملة الانتخابية الى بسط الامن على كل الاراضي اللبنانية، كما ان احداً ليس في وارد مواجهة الجيش والقوى الامنية وهي التي تحظى بإجماع والتفاف حولها، وبالاخص في هذا الظرف الدقيق ووسط التأييد العارم للجيش الذي حظي بالغطاء السياسي اللازم الذي يتيح له القيام بدوره كاملاً.
واذا كانت الانتخابات النيابية لا تشكل سبباً كافياً للبعض للتأكيد على ضمان عدم عودة «موضة» الخطف، فإن النفحة التغييرية التي يحاول الجميع اظهارها مع بداية العهد الجديد، ستكون كافية بالتأكيد، ولعل بوادر «الغزل» المستجد بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس عون اكبر دليل على مدى جدية الرغبة في اظهار التغييرات الحاصلة في الاجواء اللبنانية.
كل الدلائل تشير الى ان قرار مواجهة هذه الظاهرة قد اتخذ، وان الامور لم تعد تحتمل المسايرة والمماطلة، ولكن تبقى النتائج هي الاساس، وسيكون الجميع في لبنان تحت المجهر فإما السير على طريق الاستقرار الامني والسياسي، واما العودة الى الوراء في الموضوع الامني والذي سيقابله حتماً تراجع كبير في الوضع السياسي والسياحي والاقتصادي والمالي.
قد لا يرضي البعض حصول مفاوضات في المرحلة الاولى من عملية الخطف التي طاولت المواطن سعد ريشا، وهو امر صحيح تماماً من حيث المبدأ، ولكننا نمنّي النفس بأن مسيرة الالف ميل تبدأ بخطوة، وما حصل افضل مما كان يحصل في السابق ان من ناحية الاجراءات والتدابير والمواقف او من ناحية سرعة رد الفعل، وهو امر يبشّر بامكان تحسن الوضع في المستقبل القريب.