ملحُ المحيطِ الشرقيّ

أحمد وهبي

 

… الملحُ المحشو بأنفاسٍ، بأرواحٍ متصلة الوشائج. يُداعبُ الجلودَ بندى أفواهٍ رضيعةِ العُشبِ، يغمرُ، يُقلّدُ الخُطى فراسخَ الرّياح ما بين الروح والجسد.
الرملُ المقلوبُ للوقتِ المقروضِ بالنجيع للطغُاة. يذكّر العابرون الغابرين… كيف تلهثُ الأفكار ؟ كيف تُبذَلُ المُهَج ؟ كيف النجوم خلف الضباب ؟ كيف الرؤوس شامخةً فوق الأعواد؟.. والأعوام تغفو بجانب جثثِ ذلك الغروب الأزليِّ.
كلّما تُطِلُّ ذكرى مقابرنا الجماعية، أتحسّسُ رأسَ الشّمسِ، أتقدّمُ بمهابةٍ صوب جموع اللحم والعظم، أوقِدُ المفاصلَ بحطبِ النُخَبِ، بِبِطانَةِ المتوارين في السراب، بقِمَمِ الغربان، وفي الأساطير حكايةُ الخَلقِ الأولى، تضربُ أعناقَ الضاربين ما بين الأفخاذ، أُفلِتُ أنشوطةَ السَحرةِ، أُعلِّقُ على غيمةٍ وحيدةٍ أبواباً اختلستْ قاماتِ الزائرين، نظراتٍ تسحبُ رموشَ الزنابقِ والحبق، شَعرَ أكوازِ حبّاتِ الذرة، عنه تتدّلى ذؤاباتُ الدّمِ المُعلّبِ لأجل الضائعين بلا وطن.
أوطانٌ مهاجرةٌ في حقائب المنافي، كمشةُ ترابٍ في قلادةٍ، في حجرِ خاتَمٍ، في عقيقِ إسوارةٍ مخضّبةِ الأرجوان، في أنفاسٍ، في عينين، في فمٍ واحدٍ بأولادٍ يفركون خرطومَ فانوس علاء الدين السحريّ، في فكرةٍ مملّحةٍ كما جلود الأغنام، في صرخةٍ مدوّيةٍ في هيئة الأمم، في ظلال الأحلام الناقصة أو الساقطة أو المنبسطة صُعُداً رجزاً… المخلوعة عن ثديّ النجمة، تلك الغاوية أصباحَنا، نواتُها صِلةُ الرحم خارج الجاذبية.
أذكرُ كيف أقرأ ملحَ الجلودِ. اقرأهُ بوجناتِ محيطنا الشرقي، بمائهِ المالحِ والعذب الفُرات، بتلك الدّموع المعشَّقةِ الحنين، والأعناق تحتشدُ، تشرئبُ لنصف كرة الأرض، حيث نستخلصُ الأصيلَ دماً معقودَ القراطيس، وما يُطوى من غضبٍ، يرتفعُ عشقاً بأثلام الفراديس.
ولا زلتُ ممتشقاً نظراتِ الإغواء، أرومُ بها زرقاء اليمامة؛ فتترامى أبصارُها بعين اليقين، ابعادُها، حيثُني ألقى ما كان قبل الغزو، ما بعد الغزو أنسربُ في موق عينيها، كما لو تتنفّسُني، أنقشُ أنفاسي في روحها، ألقاني فوق صدرها، وقد علّقتُ جِلدي على مشكاةِ الرّغبات.
ولأنّها من نسغ الملحِ الشبقيّ، من طقوس التبتّلِ أمام منظومة الحظائر الأممية، هنا، في المخادع الوثنية… ملحُ المحيطِ الشرقيّ، وملاءات الشغف المقطورة من سابع بُعدٍ اسطوريّ، وعند سُبْلِ الغيبِ… عينٌ واحدةٌ للعاشقين، كُلٌّ يقولُ فيها كما يشعر؛ فصارت عيوناً تروح وتجيءُ بأجساد السُراة، وبعض الغاوين يُقلّبون أبوان الغزلِ بالصلاة على الحبيب.
كلّما اتناهى إليها، أغترفُ شِربَةَ اعترافٍ بكفٍّ ملفوفةٍ بستة عقود، أفتعلُ فيها غراباتي بسُحُبٍ تتناثر أجماتُها في ليل كأسي، أضغطُ على جرحٍ قديمٍ، صغيرِ الأنامل، حفيِّ الملمس، طريِّ اللحظة، عميقِ الوجدان، شقيِّ البلوغ.
حفّارُ الشُّهُبِ… لعنةٌ غائرةُ الأقداح، أسردُها غريباً في أكنافها ولي وجهُ أبي، أُنْسيَ الطافحُ الوجهِ، ولمّا نزلْ منذ الهجرة الأولى، نختلف إلى مهاجرين بكلماتٍ ولكناتٍ لا تتبدّل.
أسبابٌ جمّة ندلف إليها بقحطنا الطويل السلاسل، حيث بعض الفواصل مجرّد أكوامٍ لأقوامٍ انتفحت بملحها وانتفخت، والهوى شرقيُّ المنامات والليالي، كما لو تفاجِئْنا، كيف نكتشفها.. كم هي تحت الجلود وفوقها…!!
أثوابنا من مختلف الألوان والمشارب، طبقاتٌ تتناسل بحبكةِ الزّمن… الذي أمهر الخياطين والنسّاجين والرتّائين، وكلّنا استعدادٌ فطريٌّ لمزيدِ ثقوبٍ تنغرسُ فيها الإبرُ والبلادُ والعبادُ بدفعٍ أسودٍ يبعث على الضحك والبكاء في آن
عنّه، عن ذلك المكان الأبديِّ التذاكُرِ، اختلفنا إلى أوقاتٍ ساجيةِ الرؤوس، تفتعلُ أدوارَها ما بين عقربٍ وعودٍ ومنبر.
في تلك المشاربِ المُملّحةِ الأهواء، بداياتٌ نحياها في ما بعد، وقد شُغِلَ الناخبون بحاويات القمامة، ثمةَ دموعٌ ساهرة، تفاعلٌ يحمل نسَباً للجوع والكفر، نسَباً لبطونٍ غرثى، لأفواهٍ تستمطرُ قطراتِ دمٍ… هوَتْ ربّما عن ملاحمَ قديمةٍ، من أفواهٍ… وقد اصطفّتْ طوابيرَ دخانٍ ورماد، تنبش أحمالَ الشهوات المرميّةَ للضآلين.