ملامح كيان علوي في طور الاكتمال

نادية عيلبوني

هذا على الأقل ما تشير إليه كل الإجراءات العملية على الأرض السورية، ويأتي التدخل الروسي بهذا الحجم الواسع لتدعيم المسار الذي يتلخّص بعبارة واحدة: »عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة«.

هكذا يفكر رأس النظام لحماية وجوده واستمراره نتيجة عجزه الظاهر عن السيطرة على الأرض، وفقدانه أكثر من ثلثي مساحة سورية وتهديد المعارضة المسلّحة آخر معاقله على الساحل، وهو بات يرى نفسه مضطراً لإعادة ترتيب بيته الداخلي الذي لا يتعدى جغرافياً مدن الساحل وما حولها. ولكي يكون العصفور باليد تماماً، لا بد من استدعاء كل أسباب القوة وتركيزها في تلك المناطق التي تعتبر بديموغرافيتها حاضنة طائفية له حتى لا تحلق بعيداً في الطيران!

لقد جاء استدعاء التدخل الروسي في لحظات مصيرية حاسمة بالنسبة الى مستقبل النظام ككل. هذا على الأقل ما أدركه أيضاً حكام الكرملين الذين جاؤوا ليدافعوا عن منفذهم الوحيد على المتوسط بعد أن فقدوا منافذهم كافة، وآخرها المنفذ الليبي.

الواضح أن القوات الروسية لم تأتِ لتتورط عسكرياً في المناطق السورية التي يحتلها تنظيم »داعش«، وهي لن تتوسّع في عملياتها لتشمل تلك المناطق، ولن تكرر التجربة الأفغانية، فهي جاءت تحديداً للدفاع عن حدود الدولة العلوية المقبلة، ليس حباً بالنظام ولا بالطائفة العلوية، بل لأن قواعدها على المتوسط تقع هناك. هذا كله يبدو جلياً من خلال متابعة المواقع العسكرية التي تقصفها القوات الروسية، فهي لا تتعدى جوار اللاذقية وحماة وحمص وإدلب، تلك المدن التي تعتبر جدراناً بما يستدعي تأمينها بعد تفريغها من سكانها السنة وبالقوة. إيران التي فشلت حتى الآن في توسيع نفوذها في المنطقة، معنيّة أيضاً بوجود دولة طائفية موالية لها لضمان نفوذها الإقليمي في المنطقة، كما لا يستبعد أبداً أن تكون إيران قد أعدت مع النظام السوري وحزب الله سيناريو يرمي إلى اقتطاع مناطق لبنانية ذات أكثرية شيعية وضمّها إلى الدولة العلوية قيد التكوين.

المراقب لسلوك نظام دمشق وإجراءاته الفعلية على الأرض، لا بد من أن يستنتج أن نظام الأسد ما عاد معنياً بمصير سورية ككيان موحد، ليس فقط بسبب عجزه عسكرياً عن الاحتفاظ بها، بل أيضاً لإدراكه المتزايد بعقم الاحتفاظ بمناطق لا يدين سكانها له بالولاء الطائفي، بعد أن غرس خنجره الطائفي في لحمها ومارس عليها عمليات الإبادة والاقتلاع على أسس طائفية. فالجروح في الجسد السوري لا يمكنها الالتئام بوجود نظام يتصرف على أساس مذهبي، ولهذا لم يتبقَّ أمام بشار الأسد إلا خيار واحد ووحيد للنجاة: خلق كيان له على أساس طائفي.

النظام الذي يشعر بالعزلة عن شعبه، بات مدركاً، أكثر من أي وقت مضى، عبثية تبديد قوته العسكرية للاحتفاظ بمناطق شاسعة في سورية لا تدين له بالولاء، وهو بات يعي كذلك أن الاستمرار في االقتال في تلك المناطق استنزاف للقوة يأتي على حساب حماية معاقله الأساسية في الساحل.

كثيرة هي المؤشرات التي تقود إلى استنتاج مفاده تهيئة الأرض لإقامة كيان علوي في الساحل وما حوله، منها ما أعلنه الأسد شخصياً من دون لفّ أو دوران حين قال: »إن الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جواز سفره أو جنسيته، إنما لمن يدافع عنه ويحميه«. هذا التصريح الذي تلى محاولة النظام سحب قواته من جبل العرب بحجة امتناع المواطنين الدروز عن مشاركته حربه ضد شعبه، كما اغتيال المعارض الدرزي وحيد البلعوس، بما هو استفزاز للمواطنين في الجبل، لجعلهم ينتفضون ضد مؤسسات الدولة، وفي السياق ذاته أتى سحب القطعات العسكرية من الجبل وإعادة نشرها في الساحل حيث معاقل النظام الأساسية، بالتزامن هذه المرة مع قيام أجهزة النظام الاستخبارية بحملات تطهير طائفي فعلي في بعض مناطق اللاذقية للسنّة، باعتبارهم خطراً وجسداً غريباً وقنابل موقوتة في جسد الدولة الطائفية المزمعة إقامتها، وهذا من دون نسيان انسحاب النظام من مدينة تدمر من دون قتال.

قصارى القول إن النظام لا يريد التقسيم وهو غير مهموم بمصير وحدة سورية. ما يريده فقط اقتطاع الأجزاء التي تهمه منها ليبني عليها دولته.