مفقود ما بين الروح والجسد

بقلم/ أحمد وهبي

… وبعُجالةٍ مريبةٍ غادرتِ الروحُ وعاءَ جسدِها ولم تَعُدْ. ترمقُ جسدي العاري الروح بعين الشفقة، هذا الجسد المخلوق وقد عاد إلى غرائزه الأولى، لتلك المرحلة الفميّة المتعلّقة بالغذاء، تليها مرحلة اللمس والتعرُّف على الأشياء، لكنّ جسدي فقدَ روحَ الوعيَ فيه
الوعي، تلك القدرة العجائبية، سكن فيه العقلُ عن التفاعل، فانصرف معلَّقاً على جدار ذكرياتٍ مريرةٍ كما واقع الحال
هناك، إبّان الاحتراب الأهلي، هناك تركنا ظلالنا ومضينا. هنا الأرواح تترك أجسادهَا وحيدةً، تحيط بها المدلهمات، تبدأ بكلّ الحاجات الأساسية الحياتية، ولا تنتهي بموتِ وآخر، هنا الوقت مكسور العقارب، كلّما سقط جسدٌ، يعودُ بنا بعقاربه إلى الوراء .. بآلاف القتلى والمفقودين، بتلك المشاهد هناك، وهي مشاهدنا هنا
لا فراغَ، نملأ الصورَ بالوجوه المناسبة، والوجوهَ بالأسماء، نملأ إضباراتِ يومياتٍ بأشباهنا آنزمن، نملأ عُلبَ البلاستيك بدل التنك بمشتقات النفط والماء، أمّا عن الحليب لست أدري، لكن تحضرني طرفة قديمة، تقول
«واحد راح يتمشى عشط البحر، شاف واحد عم بكبّ لبن بالبحر، سألو، شو عم تعمل وليش هيك، قلو عم كب فيه لبن حتى يروب، جاوبو، ليش البحر بيروب، قلو لأ ..  بس بلكي راب، ساعتها لحق لبن عالشعب»
كان يا ما كان، حين حملوا ما تيسر من أغراض البيوت، وفوق الظهور، على الرؤوس أحمال الصُّرَر والقهر والخوف. كان، وبي ارتيابٌ من كلّ شيء، من روحي كما جسدي، من حياتي كما موتي، من عشقي كما وحدتي، من اتزاني كما جنوني. ربّما، إلى ما لا نهاية نكتب بحبر الوهم، ولرحلة الخيال رؤى تتوسّط ما بين الروح والجسد؛ فلا تبدو المراحل كما كانت، فمن مسقط الصرخة الأولى للحياة، أضحى الوجود غايةً لإثارة المشاعر والأسئلة والفضول، ولا فصلَ ما بين الواقع والمتوَهَّم، وكلّما توسّعت ساحات الاشتباك سقطت المقارنة والمؤثّرات، وانعقدت مشاعر مسطّحة، حيث تنهدم في اللاوعي شروط الحياة، لذا، أضوءُ الواقع في انحدابِ قهريِّ وانهدامٍ قسريّ، وتلك الخربشات، جداريات حديثة التقعُّر
لذا، كان الوجود مجرّد وسيلةٍ للانتحار الجماعي، تشهد على ذلك الحروب، ولا فُرَصَ متاحة، ثمة تراكمٌ للشرور؛ فلا غروَ أن تعيش المجتمعات انفصامها، انفصالها  وعنصريتها، واللحظة المثيرة .. انعتاق الأرواح عن أجسادها، انعقاد حوارِ ذاتيٍّ يتلاشى أمام التكنولوجيا، وهي صدمة هائلة، أحدثت هوّة سحيقة في الأنا السلوكية؛ فصار الجسد الجمعي مشوّهاً، ينهض لحاجاته الفطرية الغرائزية، وصارت الروح تجسيداً لمآسي الكوكب بكلّ حمّالاته، ولا لاحتمالٍ مهما كان ضيئلاً لكسر هذا التجاذب المريع، لأن الدّنيا مقبرةٌ لا تتوقف عن العمل، هي أشبه بمعمل النفايات فرزاً وتدويراً، وهي قوّة الإخضاع شئنا أم أبينا، وهي أجسادنا المنسوخة عن الطبيعة، هي أرواحنا المتنافِرة، والمتآلف منها مجرّد حالة شاذّة كما نشأتنا من غبار النجوم
في بلاد الجِنِّ أغنيةٌ عن البشر، وهيكلان قديمان يُعتَقدُ لآدم وحواء،  في بلاد الجِنِّ النجومُ التي ماتت هناك، تحيا هنا، في بلاد الجِنٍِ حين ذابتِ المرايا، كانت وجوهنا المتناثرة كالزبد، كنّا نكتشفها بين الحُطام عند الشطآن، نجمع صِباغَ الأرجوان، وأحجار العنبر، وتلك الأسمال، عليها خربشات المرجان، وبعض الطحالب، وقد تناتأت بعض الثقوب والألوان، وكلّ السُبلِ تقود إلى القلب، فخَلِّ عنكَ ثوباً لمدٍّ وجزر، واطلق نوارسَ الروح، نراها يوماً تلو يومِ، بعد هذا الإعلان، ثمة عائدون لخيالاتهم، لجمع شمل الملاعب والذكريات.