مفاوضات السلّة المتكاملة بدأت: رئاستا الجمهورية والحكومة وقانون الانتخابات

خلال جولاته الوداعية على المسؤولين اللبنانيين، وعلى بعض النقابات والجمعيات، ورغم حرصه المبدئي على عدم الادلاء بأي كلام قد يُساء تفسيره في ملف رئاسة الجمهورية، سُمع القائم بالاعمال الاميركي ريتشارد جونز يقول لبعض الاشخاص الذين تواجدوا في مناسبة اجتماعية، انه يعتقد ان ملف الرئاسة في لبنان سوف يشهد تسريعاً، بعد النتائج التي أفرزتها الانتخابات البلدية. وعندما سئل عن الرابط بين الامرين، قال: اعتقد ان معظم الزعامات والاحزاب صارت في حاجة الى اتفاق متكامل على قانون الانتخابات النيابية، ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، وبالتالي، اعتقد ان الجميع سيعملون بسرعة للوصول الى هذا الاتفاق، لأنهم استشعروا خطر زعزعة زعاماتهم.

فوجئ من سمع هذا الكلام لسببين: أولاً، لأن جونز تحدث عن قرب موعد انجاز الاستحقاق الرئاسي، وثانياً، انه أشار بوضوح الى مسؤولية الأطراف في الداخل عن تسريع الاستحقاق، ولم يربط المسألة بمواقف خارجية، كما هو شائع في البلد.

وفي ما يخص المؤشرات الداخلية يصح السؤال التالي: هل هناك فعلا دلالات واضحة على اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، في اطار سلة شاملة تشبه الى حد ما اتفاق الدوحة في العام 2008، الذي أدّى الى وصول العماد ميشال سليمان الى سدة الرئاسة، والى تأليف حكومة برئاسة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري؟

مؤشرات بري

يستند كثيرون الى ما يسمعوه من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، حول الاستحقاق النيابي، لكي يبنوا حساباتهم على اساس ان الامور تمضي في اتجاه السلة المتكاملة. في البداية، وقبل ان يتحدث عن اتفاق شامل، حرص برّي على التأكيد في العلن، كما في الغرف المغلقة، ان الانتخابات النيابية سوف تجري في موعدها بصرف النظر عن شكل القانون الذي ستجري على أساسه. وهو بذلك، كان يبعث برسالة مفادها أن الرهان على امكانية تمديد ولاية المجلس النيابي، لم تعد واردة، وعلى الخائفين من أن يباغتهم هذا الاستحقاق ان يلاقوه من خلال اتفاق شامل يضمن لكل الأطراف التمثيل المقبول في المجلس وفي السلطة التنفيذية.

بعد فترة، انتقل بري الى المرحلة الثانية من توضيح موقفه، من خلال الاعلان ان الوصول الى اتفاق على قانون جديد للانتخابات، يجب أن يتم من خلال سلّة متكاملة تشمل الرئاستين الاولى والثالثة.

كيف تتم القسمة؟

ماذا يعني هذا الكلام، وكيف يمكن صرفه في السياسة؟

من الواضح، أن رئيس المجلس تنبّه الى المأزق الذي أصبحت فيه كل الاطراف السياسية بعد ظهور نتائج الانتخابات البلدية. وصار واضحاً، ان من مصلحة الجميع محاولة التفاهم على قانون انتخابات يحميهم من شرور نتائج مماثلة للانتخابات البلدية، وهذا الأمر لا يمكن أن يحصل سوى من خلال قانون انتخابي يراعي مبدأ استبعاد اية محاولة الغاء أو إضعاف أي طرف سياسي أساسي. وقد صار واضحا أكثر ان المشكلة لا تكمن في المبدأ بل في التفاصيل، بمعنى ان التعقيدات لا ترتبط بالقانون النسبي، او الاكثري او المختلط او حتى الفردي، بقدر ما تتعلق بالتقسيمات التي تراعي ظروف كل طرف في منطقة معينة. وهنا، لا بد من الاشارة الى ان هذه التقسيمات تعني عمليا ان ما نسبته تسعون في المئة من نتائج الانتخابات تظهر قبل حصولها، وبالتالي، عندما يتم التفاهّم على قانون، فهذا يعني ان الاطراف تفاهمت على الحصص.

وفي هذا المجال، يرى البعض ان التنازلات في قانون الانتخابات تصبح اسهل قليلا، ما دام ملف رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، والتوازنات في الحكومة التي ستلي الانتخابات موضوعة على الطاولة للتفاوض. فالطرف الذي يأخذ ما يرضيه في ملف رئاسة الجمهورية سيكون مستعدا لتليين موقفه اكثر في الحصص النيابية، وكذلك الأمر في موضوع رئاسة الحكومة، والحصص الوزارية.

موقف كل طرف

في تفصيل مواقف بعض الاطراف، يمكن القول ان رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، الذي شعر حاليا بأن موضوع الرئاسة، الذي كان ابتعد عنه في فترة من الفترات، عاد طيفه ليظهر امامه، وهو لن يفوّت هذه الفرصة اذا كان الوصول الى بعبدا يستدعي بعض التنازلات والتفاهمات، خصوصا مع زعيم تيار المستقبل سعد الحريري. وهذا ما يفسّر الكلام عن مشروع اقتراح ارسله عون الى بيت الوسط، يتضمّن بشكل اساسي تفاهما مثلث الأضلاع يشمل قانون الانتخابات، رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية. يرتكز الاقتراح على فكرة التعاون بين عون كرئيس للجمهورية، والحريري كرئيس للحكومة.

في موازاة ذلك، يتعرّض حزب الله لضغوطات كثيرة على الجبهة السورية من جهة، وعلى الجبهة المالية من جهة ثانية، لناحية قانون العقوبات الاميركي الجديد، الذي تبين انه قد يكون اكثر أذية للحزب من الحرب السورية نفسها، خصوصا انه قد يؤدي في نهاية الأمر الى عزل الحزب في بيئته الحاضنة، وهذا الامر لا يستطيع الحزب تحمّل نتائجه. وبالتالي، ليس مستبعدا أن تكون قيادة حزب الله اليوم جاهزة اكثر من أي وقت مضى للتفاهّم على سلة كاملة للخروج من المأزق. وتعتبر قيادة حزب الله، ان وجود رئيس للجمهورية حليف ومتفهّم لقضاياها، مع رئيس للحكومة قادر على اجراء الاتصالات الخارجية، خصوصا مع دول الخليج العربي، ومع الدول الغربية ومن ضمنها الولايات المتحدة، قد يساعد عملياً في تليين مفاعيل القانون الأميركي بما يحمي الستاتيكو الذي سيسود بعد تنفيذ الاتفاق السياسي الشامل.

وفي المقابل، فان معظم القوى السياسية المسيحية متحمّسة لانجاز الانتخابات الرئاسية من منطلق مبدئي يرتبط بالحرص على استمرارية فعالية الموقع المسيحي الاول في الدولة، في نظام طائفي يؤدي فيه غياب رئيس الجمهورية الى خلل معنوي كبير لا يمكن تعويضه من خلال الحكومة، مهما كانت الصيغ المعتمدة لاتخاذ القرارات داخل هذه الحكومة. وقد جاء قرار رئيس حزب الكتائب بالاستقالة من الحكومة، ليؤكد هذا الواقع الذي يريد المسيحيون الخروج منه في اسرع وقت ممكن.

مصلحة مشتركة ولكن

ومن خلال استعراض المواقف كافة، يتبين أن كل الأطراف صارت على عجلة من أمر حسم الاتفاق السياسي الشامل للخروج من الأزمة الحالية. واذا كان البعض يعتبر ان مواقف الاطراف في الداخل لم تكن يوما هي المشكلة في تأجيل بت الملف الرئاسي، بل ان ايران، ومن خلال حليفها حزب الله، هي من يوقف المسار الطبيعي للوصول الى انتخابات رئاسية، فان الكلام اليوم يدور حول اعطاء حزب الله للعماد عون تفويضا ببدء محادثات مع تيار المستقبل وزعيمه حول السلة المتكاملة، قد يكون مؤشرا حول تبدّل الموقف الايراني، وصدور قرار الافراج عن الملف الرئاسي في لبنان.

وفي النتيجة، يبدو ان المفاوضات حول السلّة بدأت فعلاً. ولن يكون الوصول الى تفاهم من الامور المستحيلة، ما دام جميع المفاوضين بات يشعر بضغط الوقت.