لوحة سريالية

 

سُباتٌ… ثباتٌ وقصائد عشق

 

احمد وهبي

 

… مرَّ وقتٌ طويل، قبل أن أستيقظَ تحت ضياءِ شمسٍ جديدة. واللحظة لفكِّ طلاسم السُبات، لحظةٌ معقودةٌ لعملٍ خاص، كان تقدّمني… لملءِ لحظةِ الفراغ هذه بعملٍ سابقٍ غامض. أحياناً، أُفسِّرُ منطق الأشياء برؤيةٍ مغايرةٍ عميقةٍ تتجاوز مرادف الكلمات، هكذا، وقعتُ في شِباك فعلتي هذه خلال مرحلة الصفوف الإبتدائية. لأجل هذه الطريقة في التعبير… ألمُ إسقاط المُتَخَيل على الواقع، أسلوبٌ حمّالُ مُتَعٍ لا يُدركها إلّا العارفون، المسحورون، الشغوفون لاكتشاف المخبوء، وهي خطوطٌ من الذات والتفاصيل والأشياء، تتلاقى، تتنافح، تتساكب وتتشابك كمخاضِ خاصيِّ الإبداع… والبِدع.

البِدَعُ، تلك المحاولات النَزِقة المزاج. أهرق فيها ليالي صاحَبتني بلا انقطاع، لا غفوَ فيها، لا يُداخِلها النعاس من جانب، وزيادةً في الوصل، استنزلُ الضوءَ بذاتهِ، والأشياء البسيطة، تصير محورَ التشيؤِ ومغزى الفكرةِ الكاسرةِ للموت. ولأنّهُ النهوض، نقيض التماوت، هناك

على أوتار الأبعاد السحيقة… رجلٌ وحيدٌ اكتملَ بذرّاتٍ استلبها زماناً من قُماطهِ الطفوليّ، وفوق الرعشاتِ كلماتٌ تتفتّحُ باتّساع، بشعاعِ الخيالِ الرديفِ للكون، يتوسّعا معاً بلا نهاية.

 

في هذه السِعَةِ الوجدانية، أفكارٌ، أحلامٌ، أيامٌ وأصدقاء، أيضاً، تلك الحروب الغافية في ذاكرة الرماد، تلك الملاحم العظيمة، تلك الأغاني ترفرف بأجنحة الضوء، تلك الصخرة الدهريّة، تحضر بلا مكياجِ وغطاء، بعض جنباتها المُخضّرة، احتفظت بخربشاتنا، ببعض أسماءٍ كالطيف، وإن أعثرُ على حُلُمٍ التجأ في أعماقها خوفاً من القنص، أعثرُ علينا جميعاً بكلمةٍ واحدةٍ… لأنّهُ الحلم، العمر… يتواصل بلا تفسير، حيث نقعُ علينا بإرادةِ الحُبّ.

أصحو، كلّما أصحو، أكسر بسيطةَ الصّمتِ… ببساطةِ نظرةٍ وكلمات. تتكاثفُني خيالاتٌ شريدة السرديّة، أتشرنقُ وإيّاها لحظةَ انكسارِ الزّمان والمكان بصرختنا الأولى، وهي إشارة مجيئنا إلى الدُّنيا. ثَمَّة خططٌ كانت أُعِدَتْ سابقاً، نتكاسرُها طوال إدامتنا فيها؛ ولأنّها غير مدَوّنةٍ في كُتبِ التعليم حتّى التخرّج، يجري العمل بموجبها. انتهاجٌ حافلُ الإنتهاك… في المشافي والمقابر، في الزنازين والمدارس، في الكرامة والهوان، في المصالح والحروب، في العقول، في الوعي والجهل، في الحُبِّ والبغض. كأنَّ لا خلاصَ، لا فكاكَ من هذا السُبات الجمعي…

لكنْ، للقصةِ وجهٌ آخر. تلك الوجوه الصغيرة… كبُرَتْ في الشتات، أولئك الشُّهداء… يكسرون، يحطمون الظُلمَ بلا كَلَل، هم هكذا منذ الأزل، يتسرمدون دماءَهم الصادحةَ، الصارخة، لا يعرفون الصّمتَ. صديقي الشهيد، يومَ ودّعَني… رسمَ كلماتٍ ثلاث، فوق جبيني، على ثغري، في قلبي.. ” الشُّهداءُ لا يصمتون ” أبداً…

 

لمعنى السُباتِ أيضاً، ذلك المرادفٌ الموافِقُ في الشكل، المغايرُ في المضمون، وهو شذوذٌ خارجٌ على النمط المتعارف عليه. شذوذٌ يتأجّجُ فيه الثبات بإلهِ الذات، معمودية ترغب بانفجارها. الثباتُ، كائنٌ حيويٌّ يكشطُ عن الحياة الجلودَ الميتةَ، الرمادَ عن الوجوه، الصدأ عن الأفكار، يرمي في مرمدة الزّمن أشياءَ زائدة. دوراتٌ وجوديّة تتماثلُنا أعماقُها… حين أفقتُ على حدِّ السكينِ، رأيتُ الرفاقَ والأصدقاءَ، وقد تورّمتْ ملاءات الحياة، نُدانيها بسؤالٍ مَهيض الجواب، لِمَ…!!؟

بعد آلاف الرؤى، لم نفعل غير المُضيِّ في المجهول، لا نقدرُ على التفسير مهما استنبطنا من آراء، والرسائل والمؤلّفات… تصير وسائدنا، تكايا متصوّفةٍ عصرية، لا يبدو كيف سنكون لو بقينا هناك…!!

خبّرتني فراشةُ السَهرِ عن الإحتراق حول القنديل،

شيطانُ الشِّعرِ وقد أسَرَّ لي بقصائد العشقِ والألم، تتنازعها تلك الأوراق الشفّافةُ بما لا يُحتَملُ، قلبي بيقين انتمائهِ لأبوانٍ أجهلُها… تصلُني روحي بها، أرفع لها عقيرةَ أحاسيسَ حُبِيتُها من حيواتٍ… وحيوات أخطّها بِنثار لُحاءِ جِلدي ودمي، لا تحيدُ قيْدَ انتباهةٍ عن صحوي الأبديّ.