لوحة سريالية

 

ساعةُ الحائط

 

أحمدوهبي

 

كانت…

عقاربُ السّاعةِ تدور إلى الوراء، هل هي روح الزمن.. تسعى إلى البدايةِ الأولى حيث لا زمانَ.. لا مكان، أم هو عقلُ الغافي على الأريكةِ، حيث يعتلي الحائطَ ساعةٌ كبيرةٌ قديمةٌ.. كان ورِثَها عن والدهِ وجَدِّه…!!؟

 

السّاعةُ، عبارةٌ عن لوحةٍ تتمتّعُ بمواصفات عالية الجودة، إطارُها من الخشب، مُعتَّق، وقد اتّشحَ وازدانَ بِمُنَمْنَماتٍ صدفيةٍ صغيرةٍ على شكلِ أزهارٍ بهيجةِ الألوان، والخلفية الداخلية تميلُ صفحتُها، وتتخاتلُ ببريقٍ مُنَكَّهٍ من زرقةِ البحرِ وعسجدِ الشّمسِ ولُجَيْنِ القمرِ.

صفحةٌ خلّابةٌ، تبعثُ على الإنشراح لمُتَعَقِّبي الوقتَ بنظراتٍ تختلسُ المواقيتً بين الفينةِ والفينة، بينما عقاربُ السّاعةِ، مشغولةٌ من النُحاس المُرقرقِ المُطّعم بخطوطٍ تزيدهُ حُسناً وجمالاً، كأنّها أصابع تدور وتدور بلا توقّفٍ أو تردُّدٍ، تُشيرُ للوقت.. لمرور الزمن، دورةٌ كاملة الهيئة.. إلى الأمام باستزادة، تطفح بعدد الثواني والدقائق والسّاعات، مترعةُ الأرقام العربية، وليس الهندية، متساوية المسافة، ومنها، بدل الأرقام.. خطوطٌ مسماريِّةٌ قصيرةٌ متناسقة، وإذا ما أزفَ الوقتُ.. صدحَ على رأس السّاعةِ تلوَ السّاعةِ كنارُها؛ وقد شَهَبَ مدّاً وجزرا، أو قرعتْ أجراسُها.. تملأ الآذان طنيناً مساوياُ لرقم السّاعة بعدد طنّاته، مصحوبةً بلسانٍ متدلٍّ، يتمايلُ يمنةً ويسرى، أو مثل حارسِ الوقتِ يروح ويجيءُ في مكانه، صارخاً مَن هناك…!!؟

 

كانت عقاربُ السّاعةِ “الساعيةُ لمواعيدَ الناس”، تدور بثباتِ دوران كوكب الأرض حول نفسهِ والشّمس في آن، وهي دورة اليوم والأسبوع والشهر حتى انعقاد السنةِ تلو السنةِ.. تلوَ (…)، وقد بلغتْ عقاربُها وتساوتْ لتُفرِغَ فوق رأسِ المُتَقَيْلِلِ بمحاذاتها اثنتي عشرة طلقةً من العيار الثقيل على السَمْعِ؛ وهو عملها المُتقَنُ الصَنعَةِ.. لا تؤخّرُ ولا تُقَدِّم.

 

حينها، وقعٌ أمرٌ غريب، فما أن دقّتِ السّاعةُ الثانيةَ عشرة ظهراً.. ومع الطنين المُنَبِّهِ المثير للأعصاب.. واحد إثنان ثلاثة أربعة.. ثمَّ الطنّةُ الأخيرة، حتّى بدأتْ عقاربُها تدور، تعود بالزمن بعكس الزمن، لربّما عاكسةً للواقعِ ما قبل الواقعِ الذي يُدَلُّ، أو يؤشَّرُ عليه بفعل الزمن، بأصابع البَنان عاكساً للوجودِ المحسوسِ المُدرَكِ العقلِ المعرفيّ.

 

تُرى ما الذي كان يدور في عقل صاحب القيلولة..؟ وقد انتبهَ في غفوتهِ لذاك العدم، كون انفجار المادة الكونيّة، وتشكّلها، يعني نشأة الكون والحياة، المادة المحسوسة.. تعني بداية الزمن؛ وقد كان الحيوان العاقل في ما بعد، كي يعقِلَ نشأة الكون وحركة الزمن وماهية الوجود.

لكلِّ ما في الوجود التكويني يوجد ذاكرة، البشر والشجر والحجر، ولكلِّ جزءٍ من الكلِّ ذاكرة.. حين “تشهد عليكم” أياديكم، أرجلكم، جلودكم، إلخ…

لا بأس، أن يعودَ إلى تلك الحبَّةِ.. لتنفجرَ عن كلِّ هذي الأكوان والحياة، كما لو يذهب لفهم الحُبِّ والغضب، العشق والجمال، الكره والحقد، هذا العقل القادر على الحياة.. على الدّمِ والدمّار.

هناك، في أعماق اللحظةِ وقف، سار وجالَ، ضحِكَ ولَعِبَ، كيف جاء أسلافُهُ من غُبارِ النجوم؟. الذي ذاتُهُ من هذه القطرة.. كيف تتفاعلُ فيه، تتخاتلُ وفيها ما اقترف وسيقترف، فيها اعترافاتهُ الساحرة الساخرة، كاسرةُ الأسرار، وهي قطرة تآلُهِهِ، حركةُ تكوين المجرّات، إيقاع أوتارها.. وقد حازت على أرحام توالدِ الكواكب، الصورة الكاملة عن الحياة والموت.. عن البعث، عن ممرات ضؤئيةٍ ينتفي فيها الزمان الأرضي، لا مقارنة.. “إن اليومَ عند الله بألفٍ ممّا يعدُّون”.

 

اليوم بألفٍ من السنين. وتلك الثقوب السوداء، بمثابة مسامات الجسم لا تُرى، تجذب، تبتلع كلَّ جسمٍ أو مادةٍ تقترب من فسوح شعاعها، إلى… ما لا يُدرى، وعنها الحياة، معادلة كونيّة أساسية، تحتاج لدراسات مُعمَّقة واستكشاف… ثمّ يتبعها صمتٌ مهيب، مهيضُ الأفكار.. لا أجنحةَ تُحلِّقُ، لربّما، هناك، ما بعدها جنان الخلد.. والجحيم.

 

وهو يرمي هاتي الأبعاد بنظرات الدّهشةِ والقلق، وقد فغُرَ بِلُهاةِ حلقهِ لمزيد تنشُّقٍ للهواء، وعلا شخيرٌ مموسَقٌ وطنين السّاعةِ لا يتبدّل.. ومع آخر طنّةٍ…

فجأةً، وبلا سابق إنذار، كما انقلبت، عادتْ عقارب السّاعة إلى دورتها الطبيعية وإيقاعها المعتاد؛ فانتبهَ من غفوتهِ المثقلةِ الأجرام.. نسلُهُ كأنّما في التكوين، ومن بعدها ليمارس رياضة المشي، مُرَوِّحَاً عن نفسهِ بعد تلك المغامرة الكونيّة.