لوحة سريالية

حين تتمرّدُ الصوّرُ…!!

 

أحمد وهبي

 

… عادَ إلى هواءِ غربتهِ وغراباته، ورغبتهُ تتنفّسُ هواءَ الطواحين، كأنّما صورٌ تمرّدتْ على صاحبها، وقد انفلتتْ ذات مساءٍ مشاعرُ غيومٍ مهاجرةٌ في موسم اصطياد الطيور.

السّاعة التالية، كانت على توقيت طائراتٍ حربيةٍ، تدور في حلقاتٍ حلزونية، ثمّ متعامدة ومتآفقة، لم يدُر بخَلدِ مودّعي الغروب، بأنّها ستثيرُ رماداً كثيفاً، وبأنّ صفحات الأصيل ستغيم، وسيبكي القمر حتّى نستطيعَ من استعادة الألوان، وترتيبها كقوس قُزح، والكثير من الأسئلة شائعاتٌ بالأبيض والأسود، وبأنّ لون الأرجوان، سيظهر على مناقير الطائرات.

كنّا من مشهدٍ حيٍّ مباشرٍ إلى صورةٍ وصورة، نبتلعُ غضباً مرهِقاً، أكواماً هائلةً من الحُطامِ والركام، حبوبَ مهدّئاتٍ أيقظتنا في الألفيةِ العاشرة، ونحن عائدون من سباتِ قرونِ غبَرتْ، أخذنا نفساً واحداً مصحوباً بمغيبٍ تلوَ مغيب، حتّى انقطاعِ الأنفاس تكادُ بوشائحَ سوداء… من إنتاج بلاد التنين الأحمر.

وحانتْ منّي التفاتةٌ صوب مهبط الطائرات، رأيتُ فزّاعات الحقول، تُقيمُ استعراضاً حصرياً لمومياءاتٍ مائلةٍ للغرب، وعلى وسَنِ الرّياحِ بعض أعشاشٍ لظلالٍ لا تستقرُّ بمكان، وبعضي يتطايرُ مثل أوراق الخريف، وقد اعتمدَ القضاةُ أوراقَ نبتةِ الخشخاس، فاعترض قضاة بلاد الماريغوانا، وفارقَ اللونُ الأخضرُ عُشبَ الأرض المحروقة.

عندما سالتِ الشّمس في كؤوس ليلةِ الميلاد، تصافَعَتِ الأحداقُ وتصافحت، تبدّلتْ فوهات القناصةِ، وانحلّت عقدةُ النُكاحِ في سبيل سليلِ الشوارب المعقوفة إلى فوق، للأعلى علاماتُ استفهامٍ كثيرةٌ قبل الإصابة بعدوى الإنبطاح. من ليلِ غدٍ غدا الأمس ممنوعاً من اللمس أو صرف الجآن، ربّما لأنّ أبانا الأوّل… أدركَ كفوفَ التصفيق المليونية للصنمِ الأكبرِ المُسمّى على اسمِ جدهِ… مخترعِ آلةِ الصّمت.

صورة، الوطن في أيِّ زمن، صبيحة ذلك اليوم قبل التهجير القسري، كان مختلفاً، مثل قمرٍ يظهر في النهار، الحارة المحاذية لمدرستنا، خلفها بورةٌ، كانت تستطيل من وقتٍ إلى آخر، أو تحمل وجوهاً عدد الأصابع، يرتسم عليها أحاسيسُ، تأخذ بنا إلى جنّاتٍ لا يأتيها الشكُّ من جانب.

تآلمٌ يساورُ إخراجَ صورِ الحياة إلى الضوء. اليوم، بعد اقترافٍ لأيامٍ بالقهوة وأخبار الصحف.. أيامٍ نعتقدها لا تكفُّ عن التناسل، جيناتُها، تلك الساعات الطويلة تُنسينا الوقتَ، تسلبُ منّا القصص، وبعضاً من جيناتنا، كيف لا… وقد أضحينا متشابهين، لا فرقَ بيننا والأيام، كلّنا نشيخ أمام العتبات، ما عدا تلك الصور المحفوظة، تنبعث منها روائح الطعام، والقعدات الشهية الشيّقة.

لطالما الشائقُ فيَّ لا يرعوي، يندفع حفراً للخلاص من الهلاك، أو الهلاك في أزمتنا الوجودية. في حارتنا تلك، طرائقُ لمجموعاتٍ بشرية، تارةً متجانسة، وتارةً متخاصمة، إفلاسٌ ذاتيُّ الدفع بلا بصيرة، وإذا ما انكسرَ خيالٌ لخيال، تؤخذ فيها الصوّر بعجالة الإنكار، وليس الأمرُ خافياً عن التزوير، بتظهير الصوّرِ بألوان البشوش المُحًدِّدة لشروط لعبة التمظهر، وهي لازمة التصَنُّمِ وازدهار فتاوى القبض على العقل والروح والوعي والضمير.

في تلك الأبوات المحاشي، حاشيات الشرق والغرب، أناشيد تأليه ذات الحاكم، تصفيقٌ حادُّ يستعمرُ مزابل العقول المتآكلة الصدأ والوسخ، ساحاتٌ خاليةُ الدَّسمِ الوطنيّ، كومبارس لفصائل أصابها عمى البصيرة، خَدَرٌ ما بين الجهات… شَمال جنوب، ما بين الأطراف شِمال يمين، صورةُ الجماعةِ لا تحتملُ رأيَ الآخر، يرفضون أو يقبلون سيان… حالة انفصامِ تجرُّ قطعان العصر، يجرّها مرياعٌ أمامه حمارٌ… والكلبُ ينبح كي لا يضلّوا الطريق المرسوم، كي يدخلوا صاغربن لوحةَ زريبةِ العصر.