لوحة سريالية

كان…

 

طفلاً، حين رمى وجهَ الشّمسِ

ظنَّ كاهنُ المعبدِ أنّها الشّمسُ

وسألَ آخرُ، عجباً كيف فعلها

وهو مجرّدُ طفلٍ

وهو صامتٌ،

وقد جعل الشمسَ تحت ورقةِ ظلٍّ

تُرى لِمَ يحجبها.. يعاندُ ؟

بوسعه أن يرى ما خلفها

أن يُبصِرَ ثقباً أصفرَ

يذهبُ فيه بلا خطوٍ حبواً

يشدُّ غطاء السرير

والّشمس تتلّوى

تريد أن تفلتَ من يديه

يضحك

يُدحرجُ إلى فمها سقوطَ النجمةِ

إلى عينين تومئِانِ لأجنحةٍ عالقةٍ

في نصبِ زعيمِ القبيلة

يقول، لن آخذَ من وقتهِ

لكنّه في دمهِ

يحتاج إلى صافرة…

 

هل كان الزّمانُ دمي

يهجرُ دمي !!

لا يرتاح شاعرٌ من ظلِّ الفراغ

من حواسٍّ مُشرَعةِ الحِمامِ

والمسام ثقوب الضوءِ لأجنحةِ الزنابق

في جرحها الحيِّ جرحي

يُلقي في موقِ العظامِ

ثقوبي البيضاء

تغدو أفراسَ الجِفانِ

مطري الهائمَ في العيون…

 

وقد شدّتْ أليسارُ أطرافَ الحديثِ

هناك، في حقولها البعيدةِ

صرخةُ مُحارب

نجمةٌ كلّما أبصَرْنا

تدلّتْ أكُفٌّ راسخةَ الضياء

وحول الأمداء شمسٌ مكحّلة

أصيلُها شهقاتُ النجيع

وردةٌ حمراء

لهذا الشائقِ لوجهِ الحبيبة…

 

كانت رؤوسُ الجُدُدِ

تغزل ألوانَها

لكنَّ بي ما ليس يفنى

في عُرى الضحكات

قالت دمعةٌ حيرى

هناك، في مكانكَ الأزليِّ

امرأةٌ من غير دُنيا،

كنتُ أرمي الأكوانَ ببذار الرّغبات

من جذوةِ الخواطرِ

محابرُ الشُّهُبِ

حواضرُ المُتعَبينَ تنهملُ لعتبات…

 

عيونُنا لم تَعُدْ تسافرُ للنجوم

في يومنا تلوَ دمٍ ألِمٍ

أيامٌ طوال

وبعض محارقِ العصر

جوّالوها المُحَنّطون كالفراعنة

راعَنا في ذلك اليوم

كيف نحن خلف الوجوه

نهربُ بالوجود بلِحاظِ المصلوبين

يأبى الركوعَ ذبيحٌ

يزهى للأعواد الرِّعاف

لم أعِفْ وطناً

زمناً انكسرَ في توهة الحياة

لم أعَفُ، أغفو وحيداً

عن أٌمِّها الأقدار أتَمّتْ هذا النوى

للمنافي شبوبُ نيرانِ الهوى

فهوى على مرامي البصرِ

بصري.. على جمرهِ

عقودٌ ستةٌ وأهوال…

 

والمِطرقة الحمراءُ سِراجُ اليهجاء

لو جاء على الإنسان غدرٌ

لا يُقيمُ للعروش صلاة

وِزرٌ يتبعُ وِزراً

أزرارُ الأكمامِ

تسحبُ بنات الأفكار

تتدافعُ السُّحُبُ لطوفانٍ

لسفينةِ نوح

نَوْحٌ في الإرجاء منذ سنينَ آلاف

طِرْ يا قمراً في شَغافِ الأرجوان

لأجل غُولةِ الأساطير

لأجل العنقاءِ والخِلِّ الوفيِّ

ولأنهم من ملمحٍ خارجَ الجاذبية

ليسوا غير فكرةٍ بلا حُلُم…

 

عن مدافن الرّياح

في كهوف الدُّهور

مُعجِزاتُ الموتى

في ارتداد السّهامِ

هُدهُدٌ هائمٌ منذ سبأ

لا خبرَ يُروى من حينها

حين الّلعوبُ عَلّقتْ كعبَ أخيلْ

حين تلهثُ الآفاق لكلاب الحوأب

لمجنونٍ من رهط غلغامش

هامساً لم يزل بِعِذارِ أصنامٍ

يحتبقُ لقُبُّرَةٍ

يقمَرُ لمنديلٍ طويلٍ وراء الغيب

لا عيبَ في القتل في الرِّقِ

في عيد المساخر سبيٌّ يُميتْ

سبْيُنا يا رفاق

لا يشملهُ عفوُ الطّغاة

ما الذي يجِنُّ عن الرماد…!!؟

 

جنَّتِ الأسحارُ عن هزيع الشَتاتْ

آهاتٌ بيّناتْ

من رقائق الذُرة

من جِفانِ المحيطات

والراويةُ غاب عن مطارح الحكايا

صارت في محبس اليو أس بي

وبي عناقيدُ النظرات

دانياتُ.. حبيساتُ النجوى

وماطراتُ نثيثِ الكُحلِ

فخَلِّ عنكَ وعنَّي

عن عينين في عين الشّمس

على كلِّ ثغرٍ تُقبّلان الجِراح…

 

ليس إلّا الحلّاجُ من صعيد الأعواد

وحَدّادٌ أجنبيٌّ يجوب البلاد

لحِدادٍ حِداءٍ ما بين النهرين

والعينين.. النيلُ والفُرات

ودجلةُ مخطوف الأنفاس

تتنكّبُ الضلوعَ طيورُ العِباد

بَوادٍ في قفص الإتّهامِ

حاراتٌ

نهاراتٌ وليالي تندَهُ على الأولاد

حشودٌ لم تُفطَم

عن قلوبِ معقودةِ المَدَد

دمٌ في هذا السواد

ليس إلّاهُ رأسُ الطفوف

في خلود الثائرين

في الفمِ المُدَمّى

عنه ننهلُ

نحتسي الوجعَ في تلاحُمِ الشَّجى

هذا الساجي بين الريمِ والفلاة

والبيدُ نكءُ جراحٍ وصلاة

شهيدٌ كلّما عاد

أنمارٌ من مَردِ الغضب

أشلاءٌ تتمارد

لأجل المولود من رحم الأمجاد…

 

لأجلها، لاحَتْ دامعةَ الفجرِ

تستقي من نبعةٍ أعلى القمرِ

لا همَّ، يتبعُها التّعبُ

ربُّ البيتِ في حصاره الأخير

لهبٌ يُفجِّرُ كرمةَ السَهرِ

غضبةٌ لوجهها، لروحها، لثوبها،

لعشقها ألفُ ألفِ سماءٍ

وجرسٍ ومئذنة

لصلاتها أفواهٌ وعيون،

في محرابها محارِبة،

روَّتْ عيناها غليلَ غيماتٍ كدْماء

في سقف الجليد،

تفاحةٌ منزوعة الجِلدِ

كان دمُها الأماني

ثقيلَ الجفونِ

على خفَرٍ يُرتِّلُ القلبُ،

هنا، إلى أين الذَهاب…!!؟

 

هنا، مسافراً…

في آهابِ الظّنون

في مرآةِ الفتون

في إيهاب النظرة

تلك الكاسرة للأشواك

للأسلاك،

لهاتي الحقولِ السنابل

لُهاةُ الحَلْقِ

أعتلي حَدباتِ القفار،

رسولاً…

عند معبار الغَداة

تومئُ جداريات

أصابع مُلثّمة، تفتعل الأوامر العُليا

ممالك الرمال، حبّاتها المُطعّمة الأنامل،

شبحاً…

جيمس بوند يحمل مسدساً مع كاتمٍ للصوت،

زيرو زيرو سيفن، لعبة التذاكي الحديثة،

ومصباح علاء الدين، لطالما أفركُ خرطومه،

لَغريبٌ أمرُ ساكنهِ

لا يُحرِّكُ ساكناً

وحيداً…

أحملُ، لا ندمَ، أزفَ الوقتُ القديم

كثيرون يتسلّقون عقارِبَ المخادع

عقاقيرُ سُمٍّ زُعافٍْ للأوطان

لا شطآنَ لكواكب المجرّات

غجريّةٌ تتصدّرُ علبةَ تبغِ جيتان

حيتانُ ما قبل الميلادِ، على هيئة رجال الأعمال،

لم يكُن مخصيِّاً ذاك الدجّال

دجّالون تحت الجِلدِ، في نُخاعِ العظام،

عند ضفاف النحورِ، حيث بكتِ الجُدران،

حيث ارتقتِ السنابلُ محزوزةَ الأعناق،

حيث الشائقُ عنّي دمي،

مَن يُحصي جمرات الشيطان،

هي الحصى.. زلّتْ أقمارُ الأكوان

وخانَ خطوٌ، كان ولداً في حُرجِ الصنوبر

يعتصر ماءَ الكوثر

حين عاجلتهٌ غربةٌ مارِقة،

نازفاً… هذا من رأس الدبوس

من قطرةٍ فوق شَفةِ الزمن

ولحماً يلوك، كي يُطعِمَ الغربان،

غريباً…

جاء حارسُ الآياتِ مُتعَباً

عاشقاً، نام بأدَمِ أشلائه

بمنافي أشقائهِ

تناولَ من أحداقهِ

المتراميةِ “الرحى”، ولم ينجُ قاتل…

 

سافِرْ سافِرَ الروحِ

يا ابنَ الروحِ

ها هنا.. في الحشا مطارحُنا

والدّروب، نعرفها، من شالها الأبيض

يا لقلبِها الأبيضِ المتوسط

من وجهِ جلال الدين.. الصُّوفيّ

والتبريزي والحلّاج

ارتفعتْ يدٌ.. باباً مفتوحاً

وفي الراح دقيقٌ راعفْ

جوعى.. يلتهمون من نار الشّمس والفؤاد

من البروق والرعود

من ترجمة كُتبِ الإغريق

طوبى لغُزاةِ بطون الأفكار

مسلوبَ العِمامةِ.. أبكيهِ الصِدّيق

الماثلَ أمام الله والنفس،

في أسرار الكتاب بسرِّ الإِعحازِ،

رحلتُنا.. كيف ينقلبُ عنها الرفيقُ والصديق…!!؟

 

دهشةٌ في عراء الأمم

الحُلُمُ القديمُ “مجرّدُ” الهُتافِ لقادمْ

عازلٌ ما بين طفل المهدِ بلا رسمٍ

يدّعي زُناةُ محارق التنويم

لكنّهُ في المهدِ تكلّم

تجشّمَ عناءَ الصلبِ،

ألسِنةَ الرجمِ

باسمِ من كان باسمهِ ارتقى،

ارتفع الشّهيدُ حيَّاً،

صلّى عليه مَن صلّى وباركَ وسَلّمْ…

 

أقسَمَ دمٌ من بيت النّورِ والقيامة

لكنّ، في عروقِ القَتَلةِ تجري الخيانة…

 

أحمد عبد اللطيف وهبي