لوحة سريالية… شراعُ الأنوار

الكتابةُ، تُماثلُ الحواسَّ الخمس، وهي تتحرّكُ بيراع النبضِ ومداد العقل، وهي تشتمل على الحاسّة السادسة وتلك الأبعاد… وما بعدها من أناةٍ تُحوِّلُ الوقتَ إلى صانعٍ مراقبٍ لذاته، حيث نجدُ أنفسَنا ممسكين بالضوء…
الضوء، كلمتي الأولى المسافرةُ السابرةُ لأبوانِ الصانعين للحدث، وقد اعتبروا واعتمروا العقلَ دليلاً ويقيناً، وقد تساكنوا الحروفَ حتّى شقشقةِ الأنوار، تلك، نتلاثمُها بامتلاء، بامتلاك ملكات التفكُّرِ وجوهر النفس، تلك، اليقينيّة التبلّورِ… نتجلّى في أمدائها، نحتسي عُصارةَ شغفها، ندور ما بين أطيافها كمتصوّفةٍ في تكايا الشرق والغرب… باحثين عن كلمةٍ تصل ما بين الأرض والسماء…
هاك، أصدعُ الغوايةَ بانفلاق حبّةِ القلب، وهي الرّغبةُ الجموح لشكلٍ آخرٍ… لا يستكين بزوغاً، لا ينطوي سكوناً، حاصد العناصر لذات الجهات.
القراءة، الكتابة، ولائمُ نجيئها، نُقيمها، نتذوّقها لذاتها، لذاتنا… لذائذُ لا يعرف كنهها إلّا مَن وقع فيها، وعن سابق نزعةٍ… ينضحُ فيها الشغف، الرّغبة والعشق، وهي قطراتُ التوقّدِ، كُرياتُ المِداد… كيف تحبرُ شَغافَ الملاءات، وذلك الإطلاقُ الناجي من ملاحم الّلغوِ والتثبيط، المتكئ إلى فرادةٍ خاصيّةِ البداءة، وفي الإستثناء… ثناءٌ يحضُّ على كسر الباطن ارتداداً، امتداداً لأزمنةٍ معقودة اللغةِ والعقائد، ثناءٌ إغراقٌ لأعراف اللاتطابق، تعمُّقٌ لاستدرار رؤى اليقظة، يفصل ما بينها غيومٌ الأكُفِّ، كي يتسنّى فصل الزؤان عن القمح.
ولأنّها الحواسُّ اللامتناهية، ينشقُّ عنها روحُ السَهر، يتوهّجُ… يلقانا لأسبابنا، لعلَّ خصوبةَ السواد، تتيح لمراحل تمثّل انوجادنا بلا معاناة، نتبع فيها الحُلمَ الأوّلَ، وقد كنّا معاً، كبُرنا سويةً… ننشد ما يجعل الحياةَ حقيقيّة، مجرّدة من أحاجي التوهان، وبأنّ مَن يجرؤ… هو العقل والقلب والروح والوعي والضمير، بأنَّ في أبوان الأحجار الكريمة… جوهرَ إنسانيتنا، نسعاها، نسير بها بلا شروط، لأنّها الحياة… الطاقة الولّادة المتفجّرة النافحة لترجمة نصوص الضفاف؛ فانساقَ العبادُ بإنساقِ ما اقترفوا، فافترقوا لا يغلِبون، ولا يُغلبوا، لعبة التوازن الوجوديّ، قضية العصر التامّة الخضوع، وقد استشرى حتّى انكسار الوقت.
لصبحِ الكتابةِ، لِليلها مذاقْ كاتمٌ لحديث الجدران، والأفكار تتواصلُ، تتزاحمُ مثل طوابير الخبز والماء. أحياناً تسترشدُ طيرانَها، تنتهز لحظات الوجع، لتحترقَ حول قنديل التوجّد، أو تظلّ الساهرة بلا انقطاع، تفتعل خصومةً معي، تتراقص، تصير إغواءً لمزيد كتاباتِ تستحوذ عليها، تواجهُني بعشقي وغضبي، بحزني وفرحي، بسكوني وثوراني، تحاول تبتسمُ… خِدعَتُها الأزليّة، أحاول، أرويها بلسانٍ تجري عليه الحكمة، أو بلسانٍ معسولٍ مغسولٍ بوردةٍ وقُبلة، بجرحٍ غير مرئي، يستنطق، يستنبطُ الوجعَ لذاته، وليس تطامُناً، إسقاطاتٌ لا مثيلَ لها في متون… أن تصيرَ نصّاً لا يكتمل، لا تنتهي القراءة، ليس هناك ما يكفيها.