للمرة الأولى: علماء فرنسيون ينشرون صوراً لا تصدق للشبكة الكونية التي تربط المجرات

لأول مرة في التاريخ، تمكن علماء من وضع صور مباشرة لا تصدق للشبكة الكونية تتكون من خيوط من المفترض أنها تجوب الكون بأكمله في الفراغ بين المجرات وتربط بينها جميعاً وتصور ما كان عليه الكون في بداياته أي قبل 10 مليارات عام.
بحسب تقرير وكالة «فايس» الأمريكية في 18 آذار 2021 فقد تمت ملاحظة خيوط ضخمة مصنوعة من «المادة الكونية المظلمة» والهيدروجين تمتد على 15 مليون سنة ضوئية في الكون بواسطة رولان باكون الباحث في المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسية وفي مركز ليون لأبحاث الفيزياء الفلكية. بالإضافة إلى هذه الملاحظات غير المسبوقة، اكتشف الفريق الذي يقوده باكون وجود بلايين «المجرات القزمة» التي لم تكن معروفة من قبل بسبب صغر حجمها وبعدها عن مجرة درب التبانة بحيث لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر. ورغم ذلك، فإن توهجها الكثيف أضاء غاز الهيدروجين في خيوط الشبكة الكونية فأظهرها على شكل نقاط مضيئة واضحة.
وقال رولان: «أعتقد أن أحد الأشياء المهمة في هذا الاكتشاف غير المتوقع هو أن الضوء المنبعث من الخيوط ربما يأتي من هذا العدد الهائل من المجرات الصغيرة جداً التي تعمل بنشاط على تكوين النجوم. أجد هذا مثيراً للاهتمام للغاية لأن هناك العديد من النتائج على هذه المجموعة من المجرات الصغيرة». واضاف «أحد الأسئلة الكبيرة هو معرفة ما الذي وضع حدًا للعصور المظلمة»، وأدى إلى هذا ما يسمى إعادة التأين. في الواقع، يمكن لهذا الاكتشاف أن يلقي الضوء على بعض أعظم الألغاز في التاريخ بما في ذلك سؤال كيف تكونت النجوم والمجرات الأولى وأضاءت الكون بتألقها. وهذه الشبكة هي عبارة عن خزان من الغاز – هو الهيدروجين – يوفر الوقود اللازم لصنع النجوم التي يؤدي تجمّعها إلى تَشَكُّل المجرّات. لذلك هو عنصر أساسي في إعادة رسم صورة تطورها. لكن من الصعب جداً رصده نظراً إلى بعده – 10 إلى 12 مليار سنة ضوئية من الأرض – وضعف سطوعه. إلا أن أداة «ميوز»، وهي عبارة عن مجموعة من 24 مطيافاً مثبتة على مقراب «فيري لارج تلسكوب» التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، توصلت إلى رصده هذا بعد حملة مراقبة استثنائية، نشرت نتائجها الخميس في مجلة «أسترونومي أند أستروفيزيكس».
وركّز الفريق الدولي لـ»ميوز» لأكثر من 140 ساعة على منطقة واحدة من السماء، تقع في كوكبة الجنوب. وبعد عام من تحليل البيانات، تمكن العلماء من التقاط صورة ثلاثية الأبعاد تكشف عن وهج لخيوط هيدروجينية عدة، منتشرة على جزء كبير من السماء. وباتت صور هذه الشبكة أكثر أهمية من صور تلسكوب هابل الذي وفر حتى الآن «أعمق صورة للكون تم الحصول عليها على الإطلاق»، التُقطت في الكوكبة نفسها، على ما أشار المركز الوطني للبحث العلمي في بيان.
ومن خلال التعمق في البحث، تصرفت «ميوز» كآلة لاستكشاف الماضي، إذ كلما كانت المجرة بعيدة من الأرض، اقتربت من بداية الكون في النطاق الزمني. وهكذا ظهرت خيوط الغاز كما كانت بعد مليار أو ملياري سنة «فقط» من الانفجار العظيم، وهي مرحلة تعتبر أولية في تطور الكون.
وبالتالي، فإن المراقبة المباشرة لتوهج الخيوط كانت بمثابة أمر ثمين جداً في علم الكونيات، إذ أن هذا الغاز، وهو من بقايا الانفجار العظيم، «هو الوقود المسرع الذي جعل المجرات تنشأ تنمو لتصبح ما هي عليه اليوم»، وفقًا لرولان باكون. أما الباحث في لجنة الطاقة الذرية الفرنسية إيمانويل دادي الذي لم يشارك في الدراسة فرأى أن «نتيجة هذه الدراسة أساسية، إذ لم نشهد إطلاقًا انبعاثًا لهذا الغاز على هذا النطاق، وهو أمر ضروري لفهم عملية تكوين المجرات».

وكمعظم المجرات «القريبة»، لا يمكن مجرتنا درب التبانة تقديم مثل هذه المعلومات، لأنها قديمة جداً، وأقل إنتاجية في النجوم مما كان عليه الكون الشاب، على ما يؤكد عالم الفيزياء الفلكية هذا. من خلال الجمع بين الصورة الثلاثية الأبعاد والمحاكاة، استنتج معدّو الدراسة أن توهج الغاز جاء من مجموعة لم تكن متوقعة حتى الآن من مليارات المجرات القزمية (أصغر بملايين المرات من تلك الموجودة اليوم). والفرضية المطروحة هي أنها كانت ستشكل كمية هائلة من النجوم الشابة التي كانت طاقتها «لتضيء بقية الكون»، على ما لاحظ رولان باكون. وهذه المجرات القزمية شديدة السطوع بحيث لا يمكن اكتشافها بشكل فردي بوسائل المراقبة الحالية، لكن من المتوقع أن تكون لارتباطها المحتمل بالشبكة الكونية نتائج مهمة تساهم في فهم بدايات إعادة التكوين.