لا أغفو في هذه الدّنيا ..

بقلم / احمد وهبي

… ننامُ على أسرّة السراب، ونصحو بأسنّةِ الحِراب، والنشوات طافحة في الأعماق، وقد تحرّرتِ الدّماءُ عن لونها، فإن صدرتْ في اللوحات .. فهي الأنامل، وإن في الفضاء .. فهي قوس قزح، وإن تعمشقت وجهَ السجّان والجدران .. فهي نحن، نغدوها كؤوس الصَبِّ، والشّمس تأخذ بالوقتِ، لسفرِ حين حَمَلنا، أكثَرَ من الخيالات .. تعدو عن كواكب الغبراء، والكثبان لحالها انبساطٌ وامتلاء، وقد ملأتُ قِربةَ الهشيم بشيءِ من إسوارة الرمال، ولي زهاء قرونٍ أرفض، أرقص، أفتح روحي دون فمي، ومَن نامَ غريباً في القلب، كان دمي، فمضينا إلى برج العذراء، كي تنهلَ من نبيذ شراييني ..
ننامُ، لكن، لسنا وحدَنا. ننامُ بانتظام الساعة البيولوجية. النوم، موتٌ مؤقت. أحياناً، نمتلكُ أن نجافيه، لكنّهُ المتمكّن بكلّ المقاييس.
وكان، أطلقتُ نفسي عن نفسي، لا أغفو في هذه الدّنيا، كأنّا هجرٌ مُتبادَل، وكأنّا آنسنا هذا الفراق والافتراق؛ فلا لنألو توامضاً لحبيبين غريمين، وفي احمرار العينين أصيلٌ بلهيب القُبَل. إلى ليلٍ في الليل .. يدان تُعِدّانِ خبزاً مقدّسا، والأفكار تُعتَصَرُ لمتصوّفةِ ذوّاقةٍ، وبعض الغياب ينجو من الفناء، لأن الصوتَ الرخيم، إذا لامسَ المشاعر، تدلّت النجوم على شغاف السماء، وانبهرت أمُة الجآن، وشلل الأُنسِ والإنس، يتماهون تكبيراً وصلوات.
إلى بلادِ خضراء، غادرتْ حقيبةٌ محمّلةٌ بالتراب والدّموع. ومن يجيئهُا باكياً، أعجبُ، مَن يفارقها باكياً. ذاهلاً لغضبٍ ينهض بي، وهو يتكاثرُ في الخلايا، تنشقُّ له الأكفانُ، هياكلها لغضبه كالرماح، والأكوان تتدافع خيلاً، ليلاً ينْشجُ ويصول، والألوان لمسرى البيارق تذرف ألوان الأفكار، والأحزان تجود كرماً .. فلِمَ تسقط الطيور خلال هجرتها، ولِمَ الصغير يأخذ بيد الكبير، لِمَ الساحات حمراء .. ونحن على دأبنا، على جرحِنا نُغنّي الذكريات..؟
كان، لو تنام الأشياء. وأرغبُ بكلمةٍ تنمو في الصفحات، عميقاً داخلَ خيالي، أسحب مطراً حِبراً لكتاب، عند حوافّهِ تنمو أعشاب الضباب، حِقَبٌ أسردها لزمنِ يباب، لولا دمعةٌ في عينٍ في وجهٍ في صورةٍ على الجدار، لولاها لا تزال السنابل تحت سنابك الجليد، لولاها .. حين غادرتُ، كانت عيناي في قلبها، أقلب الدروبَ رأساً على عقب، لولا يدٌ منعت عن رأسي وصدغي ضرباتِ بعقب أو كعب بندقية.
خرجتُ سامقاً من حطام الدّنيا، هنا جسدي أجساد، هنا دمي دماء، هنا أشلائي أوّل الصلاة، وكلّ ما يتدفّق .. حجيجٌ لمذاقٍ هناك عند أبواب الجِنان. كنتُ في هذا الإغواء لدمٍ للحمٍ .. يُجيدُ الخليفة الجلّاد تقطيعه وشيّهُ، ولا يخرج عن فتاوى ساخنة طازجة، لأنّها الّلذة بألف ميغاواط، رُحنا نوزّع الحلوى، والخليفة يضاجع الخصيان، لقليلٍ من النوم، ماغ كاموميل، لا تخدع الرّغبةَ عينان ناعستان.
فقط، على هامش الطريق، غالونات للراجلين، للراكبين حرّاس مخادع النوم؛ فانفجرت ينابيع الأموات من شقوق القبور، وذاك الرافضيّ شقيق الناصبيّ، لهم تنتحر البيداء.
فقط امرأةٌ بنكهة العشق، كانت تشيرُ لجسدٍ غارقٍ في الإنتظار. نظراتٌ بكُحل التمائم، لسان السكة الطويل، أصابع الكهرباء في توترها العالي، تُصادقها الطيور، تصير في مباني الأحياء مثل شبكات العناكب، الملعونون بفقرهم.
فقط لو تطلعين من زمانكِ هناك، وفي وقدة المشاعر، قتيلٌ منذ آلاف القلوب، عن وحشتها الخنساء، لا صخرَ تنادي، وزرقاء اليمامة هاجرت كنخلةِ في بلاد الغرب، وعند ساريات الأندلس جثتْ قبائل المكر، تطلق العنانَ لعضلات المنجنيق. وبما أنّني شريد الحِقب، عن مساكب النعناع ألمس، أقطف أنامل جدتي، كفّاها مشرقتان كشمسٍ طفلةٍ نركض إليها، إلى ضحكاتٍ خافتةٍ تحت غطاء الليل، تتسادل أطرافُهُ بخَفرِ وسكون، بأنوارٍ أرجوانية النجوم، والمنازل .. دنيانا لا نغفو فيها، فرّقتْ وجوهَنا الحروب، في أعماقها الدّنيا، في محيطاتها أبوابٌ لدنيا ودنيا بلا نهاية.
عازف العناصر
يوم، في أيِّ يومٍ كان أو سيكون، وليس عادياً، والخيارات لا تُقاربُ ذاك اليوم الطويل.
كان، كأنّما انتزعتُ ذاتي عنه، وانطلقتُ لغايةٍ أرجو، حينها، توافقت الجبهات المتقابلة على وقف إطلاق النّار لهذا النهار فحسب.
كان، كنتُ أشعرُ بأنّهُ يتمتّعُ برأيٍ آخر، يجهدُ، لا يدري ربّما كيف يجب لو أشعرَ بما يريد.
هناك، اللامكان، حيث الحياة ممتلئةٌ بالقسوة، وهي حولنا، تحت الركام وفوقه. هنا، حيث كلّ شيءٍ يُحتَضَر، تلفّتُ شتّى الجهات، وأنعمتُ النظرَ من درجة ما تحت الصفر، حتّى مائةٍ وثمانين درجة، وهي نقطة اللاشيء.
وأنا كذلك، وقع ناظريْ على مزيجٍ من جدرانٍ ملوّنةٍ ودُمىً وكتبٍ، أثقلتْ عليها أيدي النّار؛ فتبدّتْ لوحةً مجنونةَ التشكّل، وراحتْ يدي تُخربشُ بعض الحروف؛ فلا أسماء أقع عليها، ولأنها حياةٌ كالأحلام كانت، أُردِيَتْ عن وقتنا معاً.
لا أقدر أن أرفعَ الأشياءَ عن بعضها البعض، ثقيلة مهما كان حجمها، وليس لأتجاهلها، لكن، حين تنقلب الحياة على ذاتها، تتحوّلُ لانتماءٍ آخر، لذات المضمون إنما لشكلٍ آخر، والبعض المقيم حديثاً تحتها، لا يُعيرُ انتباهاً لباحثِ عن أملِ عن حياةِ ما.
لغريبْ كيف تتلاشى الصور والخيوط واللمسات، لكأنّها احتشادٌ لكلِّ شيءٍ راقد، فماذا يُلمحُ عنها ..؟ وكلّ الحياة مجرّد حقيبة فارغة. وسَرَتْ في عقلي وبدني جيوشٌ مؤلّفةٌ من نقاطِ صغيرةِ سوداء، كما لو هوام بلباسٍ تقليدي، أو نموش على وجه الشّمس، لكنّهُ وجهي، في قبضة الوقت، لذا، أسلستُ أفكاري الخاصة على نحوٍ طارئ، ورسمتُ دائرةً، مكثتُ فيها كي تمرَّ الأرضُ بما حملتْ، وبيدين وبشعورٍ مزيجِ اندفاعٍ ولامبالاة، تباسطوا دفعاً لثقوبٍ تتسلّلُ عبرها الأعوام، فوق مقعدي فوق رصيفٍ متشافق الإدمان، وكلّ شاردةٍ دليل ذهنيّ لمحاولة النهوض، ومعادلات الجبر والهندسة، استشعار لنظرياتٍ تتجدّد، وبعض المهدئات، ستائر كونية الصراخ، عندها، عند بائعة الهوى، عِبادٌ من كلّ فجٍّ عميق.
وكان عازف العناصر، كان يتسلّلُ إلى أعماق المرايا، كان يمنحها عمراً جديداً. كان ذلك الخوف عبر العصور، ينتاب المطارحَ .. لسياقٍ لحركة الأفكار، لتظهيرٍ خاصيِّ التجربة، والنفس اتّساقٌ مبنيٌّ على السرد، على اختزان المعرفة لديناميكية العلاقات والمتغيّرات، فلا شططَ قياسياُ، والكاتب الباحث يسعى لاكتشاف العناصر كاسراً لقضاء المكان والزمان، ناهلاً من مجيئهِ قديماً، من لحظاته الضوئية، من البداية لعلاقاتٍ يلقاها في ما بعد. حوله، حول سلالات الطيف .. لا شيءَ، واللاشيء .. هو كلّ شيء، وكلّ ما هناك، يُتركُ إلى ما بعد الآن، كما لو نذهب غدَنا لاكتشاف أمسنا، وما تركت ليس بقليل.
أذهب كاسراً ألفَ عامِ بكلمة، وما يستَعِرُ في الفكرة، في شظايا مرآة النفس، في الحُبّ، في الرحيل. وفوق لسان الحال غرائبُ العوالم، تلك، الأبواب، أفتحها بقلق، لكنّها كمسام الأجساد، لكلّ ثقبٍ ثقلٌ يتذاكر مزيجَ فرحٍ وحزنٍ في آن، وعند حوافي الخيالات، خطوط الشغف، أضرب بها اختناق الضباب، وبعض التفاصيل أجزاؤنا في كلّ مكان، ولأنّا الجهات، لم تكُ الأرض موجودة، ونحن في حمأة التآلق، يدٌ امتدت إلينا، بذَرَتْنا بلا سؤال، وفي الجينات ملايين الأساطير، نرسمها، نحاول فكفكتها، تأخذ بنا راغبين بهذا النزوع، بهذا التوالد في غير أرحام؛ فلا عودةَ لخطواتٍ بلا يابسة، لا عودةَ إلى أرض الآلام. أقدارٌ تتمطّى المسافات، وهذي الأصوات كحمحمة الخيول ونجوم الأصيل، تروي حكاياتنا المكلومة.
خلف نافذة البحر، شمسٌ معلّقةٌ بنظرات السابلة، بيدِ معلّقةٍ في القلب، بقلبٍ معلّقِ في الروح، بروحِ تطرح بوضوحٍ كيف تستهلكنا التكنولوجيا. على توقيت سقوط الكعكة الصفراء، قصص تنشطر، كتبٌ مقدّسة تتصارع، جنسٌ، ولادات، توحّشٌ، غرائزُ، هي الخلطة السحرية لهذا العصر. لا يقينَ آخر لدي، الحُبّ ينتصر .. وإلّا، لا معنى لكلّ شيء، لذلك، الجدار الحجري القديم المعلّق هناك، ملحمة طفولية انعقدت بذاكرةِ لا تخون، وفي مثالب الميتولوجيا محارق لمحترفين، تمتدُّ على وجه الحياة بلا رحمة.
كأنّما رقيبُنا النيران، تُثرثرُ فينا، تضرب نصوصها عنّا باحترافِ وتذاكِ إبداعي، ولأنها النّار، شقيّةٌ، شقيقة الماء والتراب والهواء. عناصرنا التليدة، وقد بلغ العمر شأواً منّا، نضرب به بتلك المطارح العبثية، وكلّ ما كان يشابه .. ينافر. أجمع حطب حاضري لموقدة الأفكار والرؤى، والتمثُّلاتِ الغيبية .. هي غداً ألقاها، ولي من الحيوات ما لا يٌطاق، في هذا الموت في الدّنيا، لعبة مغايرة للخلود، نتبعها رفضاً وغلبة، لأنها الصورة الملتهبة عن الأكوان، لا أُخطئ أتخطّى التصاريف بصرير أفكارٍ .. تصير الحياة، ما بعدها، يحدث كلّ شيء، لا شيء كما كان.
في كتاباتي، أجزائي، أُلملمها بمذاقِ ومزاجٍ خاصيّين لضوءٍ يُسَلَّمُ باليد، كان ذلك في العصور الغابرة. أشعر، أكتب لي غداً. مهما سقط من دمي، صعترٌ في وِذرةِ الدّهان، شفاهٌ في بتلات وردةٍ في دفتري القديم، أوراقْ كبساط الريح، تحملني بدقيق الكُحل، بقمحٍ في كوّارة الخير، بسنابلَ، بشموعٍ، بشموخ .. فلا أخشى العدّ العكسي للحياة. هناك، وقفتُ لجلّادي بالمرصاد وجهاً لوجه، لا يغيب وجههُ الغريب، جسدهُ السمين الثخين. حين صرتُ إليَّ، صرتُ بلا رفاقي وأصدقائي.
في زمنٍ آخر، شغلتنا الحياة، وكلّ المواقف، وجهات نظرٍ بلا طائل؛ فحدث ما حدث، وما بين الموت والحياة غير وقفةٍ .. من معانيها حتّى أنفاس ترتجف، صمتٌ يبعث على الإنفجار؛ فكان عازف العناصر فوق جدار البكاء، وكنتُ من نيرانه أتفينق العذابات، وأخلط الرمادَ بنجيع الأوداء، حتّى لوحةِ .. إذا ما اكتملت فيها الأماكن والأرواح، حطّمتها، لأجمعهم واحداً واحدا .. خالدين.