كُنْ جاهلاً… لتتعلم

كلمة رئيس التحرير/ سام نان

قد يصطدم البعض عند قراءة هذا العنوان الذي قد يبدو للقارئ لأول وهلة وكأنه دعوة للجهل والرجوع إلى الوراء أو نسيان ما تعلمناه طيلة حياتنا وتربينا وعشنا عليه.

لكنني لم أقصد ذلك بالمرّة، ولكن ما أقصده هو إجابة للسؤال: مَنْ هو الشخص الذي يطلب العلم؟ بالتأكيد هو ذلك الشخص العطش للعلم ويريد أن يفهم ويريد أن يزداد علماً ومفتقداً للمعلومة فيسعى للبحث عنها، عندئذ يتعلم…

إذا، إن كنت تفتقد الحصول على معلومة أو معلومات وتريد أن تتعلم وتريد أن تكتسب خبرات الغير، عليك أن تخضع لشروط التعلم، وإلا لن تكون مقبلاً على التعلم بل ستسقط في هوّة الجهل.

ولكن هذا يجعلني أطرح سؤالاً آخر… ما هي شروط التعلم والاكتساب للخبرات؟

– أولاً: عليك أن تسأل نفسك: لماذا تناقش الاخر؟ هل لتتعلم منه؟ أم لتعلمه؟ أن لتثبت ذاتك العالية وذاته الجاهلة؟

فإنك عندما تسأل غيرك عن شيء ووتناقش معه، فهذا يعني شيئاً من ثلاث:

إما أنك تريد أن تتعلم.. وفي الحالة الأولى، عليك أن تكون قليل الجدال، وصبور ومستمع جيد، وعليك أن تبحث فيما تتلقاه من علم، ثم تعود لمعلمك مرة أخرى وتطرح أمامه ما توصلت إليه، ثم تتركه يناقشك فيما توصلت إليه….. إلى أن تتعلم وتكتمل الصورة أمامك وتكتسب ليس المعلومات التي تعلمتها فحسب، بل تكتسب خبرات طرق التعلم وطرق البحث، وآداب النقاش والتدريب على الخضوع للتعليم والمعلم.

أما في الحالة الثانية وهي أنك تريد أن تطرح سؤالاً ليكون محل نقاش أو مدخلاً للنقاش حتى تعلم الآخر، وفي هذه الحالة فأنا شخصياً احتاج لك لأنني دائماً أريد أن أتعلم، وجاهل مَنْ يعتقد أنه كامل العلم.

ولكن عليك كمعلم أن تكون صبوراً متحملا صدمات التعليم الذي تلقيه على الآخرين لعله يكون صادماً لهم لأنهم تربوا علي عكس ما تعلمهم به، فأنت تحتاج لمهارات متعددة لتقنع الآخرين بما تريد أن تلعمهم إياه، عليك أن تتعامل مع الآخر بحسب فكره وليس بحسب فكرك، عليك أن تقبل رفض الآخر لتعاليمك وتناقشهم باللين والهوادة دون تحدي النقاش وإثبات الذات، وإلا تحول النقاش إلي جدال عقيم. وإن لم تكن معلماً بهذه الصورة فعندئذ أنت أيضاً تحتاج لمعلم.

أما في الحالة الثالثة وهذ النقاش من أجل إثبات الذات، أو من أجل إثبات جهل الآخر فهذا لا فائدة له ولن يجني الثمار ولا حتى في ذاتك، ولن تشعر بالرضا وإشباع الذات عندما تشعر أنك تغلبت على الآخر في النقاش أو أن الآخر لم يقدر أن يغلبنك في النقاش. فعلماء النفس يطلقون على هذه الحالة «البارانويا» وهي ليست مثمرة ولن تجني منها إلا الحسك والشوك.

وفي النهاية أقول لك: كن جاهلاً ولا تعتقد أنك غني بالمعلومات وقد استغنيت، لأن الذي يشعر بأنه غني وقد استغنى فهو فقير وشقي وضعيف، أما مَنْ يخضع للتعليم فهو الوحيد المستفيد وسيجني ثمار التعلم واكتساب الخبرات.

فإن حاولت أن تثبت لمن يعلمك أنك فاهم أكثر منه، لن يعلمك، وفي النهاية أنت الخاسر.. فالزم الصمت عند التعلم وكن جاهلاً لتتعلم.