قهوجي وسلامة حقّقا الاستقرار الأمني والنقدي وطبقة سياسيّة لم تحقّق سوى التعطيل والفساد

اميل خوري

مؤسّستان تعملان بانتظام وتكتسبان ثقة الداخل والخارج: مؤسّسة الجيش وحاكمية مصرف لبنان، وقد نجحتا في عزل نفسيهما عن صراعات القوى السياسية وتناحرها، وعن تداعيات الشغور الرئاسي وتعطيل عمل الحكومة وعمل مجلس النواب بحيث بات من الصعب وقف المسار الانحداري في الطبقة السياسية والعودة بها إلى الطريق القويم باخراجها من هذا الصراع والتناحر القاتلين ومن دائرة الفراغ والفوضى وتفشّي الفساد. وقد ذهبت هذه الطبقة الى حد إلحاق الأذى والضرر حتى بالأوضاع الاقتصادية والمالية من جرّاء ادائها السيئ وتصريحاتها وأحاديثها غير المسؤولة التي تنعى بها كل مرة هذه الأوضاع فتثير قلق الناس على مدخراتهم ومستقبل لبنان، ما يضطر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كل مرة الى تكرار التأكيد أن الليرة مستقرة ولن يسمح بافلاس أي مصرف مهما كان حجمه، علماً أن مصرف لبنان يواجه وحيداً منذ سنوات ضغوط الحروب والتفجيرات والاغتيالات والأزمات السياسية التي تنعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والمالية وعلى النمو فيضطر الحاكم سلامة الى التوسّع في استخدام الأدوات التي تحمي الاستقرار النقدي ليسد الفراغ الحكومي والمجلسي في الساحة الاقتصادية ويعوض غياب المشاريع والخطط الاقتصادية بسلاّت تحفيز للاقراض بهدف زيادة النمو والابقاء على مستوى مرتفع من السيولة في الأسواق، وعلى تكوين احتياطات بالعملات الأجنبية لدى المصرف تمكنه من مواجهة أي طلب على الدولار ينتج من تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية ويتيح تالياً ضبط مستويات التضخّم وإبقاء معدلات الفائدة ثابتة. إن الثقة بسياسة حاكم مصرف لبنان المالية التي تم تطبيقها بمهنية عالية وبنجاح، شجّعت على مواصلة مد لبنان بالمساعدات والقروض التي يحتاج إليها وجعلت البنك الدولي يحض على توجيه المشاريع الى القطاعات الانتاجية والى وضع خطط على المدى المتوسط والمدى البعيد، لتعويض وضع الخزينة التي باتت في حال يرثى لها بسبب عدم إقرار الموازنات منذ أكثر من عشر سنين، ولا وجود حتى لرؤية فعلية تأخذ الموازنة من المشاريع المعدّة للاقرار. لذلك يمكن القول ان الاستقرار النقدي يمسك به حاكم مصرف لبنان، والاستقرار الأمني تمسك به قيادة الجيش الذي أثبت في أكثر من موقع قدرته على الدفاع عن حدود لبنان ومنع الارهاب من خرقها. كما أثبت الجيش بوحدته وتماسكه وتضحياته أنه قادر حتى وحده على الامساك بالأمن في أي منطقة بما فيها مناطق المواجهة مع التنظيمات الارهابية، ما جعل دولاً شقيقة وصديقة تواصل مدّه بالسلاح ليصبح أكثر قدرة، وهذا ما كان ليحصل لو أن الجيش كان مقصّراً أو ضعيفاً أو مشرذماً. لقد أكد قائد الجيش العماد جان قهوجي في أكثر من مناسبة أنه «مهما بلغت تضحيات العسكريين لحفظ الأمن فانها تبقى أقل كلفة مما سيدفعه الوطن إذا حصلت فتنة»، داعياً إيّاهم الى أن «يبقوا بالمرصاد للعدو الاسرائيلي». واعتبر أن «ما تشهده البلاد من تباينات سياسية هو جزء لا يتجزّأ من الحياة الديموقراطية التي ينعم بها لبنان، لكن من غير المسموح إسقاط هذه التباينات على الأرض وتحويلها الى فتنة». وبعد تنفيذ وحدات عسكرية عملية ضد مجموعة إرهابية في جرود عرسال، أكد أن «ما قام به العسكريون هو رسالة الى القاصي والداني بأن الجيش يمتلك الارادة والقرار في هزيمة العدو وسنمنعه من تخريب بلدنا واقامة اماراته ومشاريعه واشاعة الفوضى والفتنة فيه». كما أكد أن «الجيش قوي وأثبت انه من أكثر الجيوش تماسكاً وجدارة في قتال الارهابيين، وهو يمتلك زمام المبادرة ولن يسمح للارهاب بنسف بيتنا الداخلي أو تهديد وحدته وأمنه واستقراره، ولن يترك الارهابيين يأتون إلينا بل سيلاحقهم ويضربهم أينما وجدوا، ولن يترك كرة النار الاقليمية تتدحرج الى لبنان وسيواجه أي محاولة تهدف الى إحياء مشاريع الفوضى والتفرقة والتقسيم، أو إطاحة صيغة العيش المشترك والوحدة الوطنية». وأكد مرة أخرى أن «الأوضاع الأمنية في البلاد تحت السيطرة، وأن الجيش في أعلى جهوزه لمواجهة أي استهداف أو نشاط إرهابي على الحدود وفي الداخل ولمواكبة الاستحقاقات الوطنية». الواقع أن لبنان يعيش حتى الآن في ظل استقرار أمني يحميه الجيش بوحدته وتضحياته فيحصل على حاجته من الأسلحة المتطوّرة، وفي ظل استقرار نقدي يحميه حاكم مصرف لبنان بخبرته وبالثقة الكاملة بسياسته المالية الناجحة. فمتى يرى لبنان طبقة سياسية تحمي الاستقرار العام بوحدة مواقف ورؤية مشتركة تقدم مصلحة الوطن على كل مصلحة كي تحظى بثقة الداخل والخارج وتساعد نفسها كي يساعدها الأشقاء والأصدقاء، لا أن تظل طبقة دأبها التعطيل والكيدية وحماية الفساد والفاسدين في زمن تفاقمت فيه أزمة الأخلاق والضمائر بعد زمن كان للسلطة فيه هيبة وللاقتصاد ثقة تجعل المال الجبان شجاعاً وتخرجه من تداعيات الخلافات السياسية ومآزقها.