عناقٌ أبديّ…

أحمد وهبي


وأخيراً…

وبهدوءٍ غريب، لململتُ أحلاماً قديمةً في الصُّور، ورحتُ بسحابٍ طريِّ المزاج، أُبادلُ الذكريات بقهوة الصباح، بماءٍ في كوبٍ يكاد تشاجراً.. كلّما ﻻمسَ ثغري، كأنّي أفري به عمراً يذرفُ ظمأي، ظمأ، لمّا يزل منذ بدءِ الخليقة…

منذ البدء…

بلغة الرصاص، ثمة خلاصٌ يطغى على الموتِ لشيءٍ غامض، ﻻحتساءِ كأسِ نبيذ، لإشعال فكرةٍ بعودِ ثقاب، إشعالِ سيجارٍ لأجل اكتمال نصاب الأمسية..
لأجلها عندما انفجر القلب، رأتْ وجهَها فيه، وصوتُها لمّا يزل يُردِّد.. دعني أنام في قلبِكَ…

في القلبِ…

عناقٌ أبديّْ يتكاثف بمشاعرَ تبعث على الأرق، يتكاثر مثل الأوﻻد والأيام.. حتى يصيرَ ظنونَ وردة، مقطعاً آخر من قصيدة، تتراقص مثل كرسيٍّ هزّاز، مثل عروسين، منذ الليلة الأولى.. وباعتراف نجيع الجدار، كانتِ الجموعُ تحبسُ أنفاسَها، بصمةُ كفٍّ أخرى، جعلتِ “الحضورَ”.. يُطلقون زفراتِ رصاصٍ وابتهاج، ليلة بعد الفِ ليلةٍ وليلة، لم يطلعِ الصبحُ على عينين كحيلتين.. تعشقان الحياة…

في الحياة…

في هذه السابقة على الموت، من أتاها مات، وكاد بكاءٌ يصير بحورَ بشرٍ وحِنّاء، كأنّ أمراً سابقاً.. كان مفتوحاً على الحياة، كان حدوثاً غربباً للحياة…

في شارع الغوايات…

ماءٌ لعابري سبيل، ماءٌ ﻻ دليلَ سواه، ومن بكى ماءَهُ بكاه، وببدين مثلّجتين انحناءٌ لأصغر ذرة، لامرأةٍ.. كنتُ أقتل فيها خوفَها، فإذا ما تدلّى هرم بشهواته، كتبتْ روايَتها بالدّم، ففي مهزلة الحياة.. انتحارٌ قديم، صلبٌ على أصلاب الرجال، وقد جاورتْ ولّادتي السابقين في الحياة..
كنتُ عند رأسها أختم الروايةَ بشمع الحنين، وﻻ أحدَ سوانا أقرب، أو أبعد من لحظة عناقٍ أبدي.