عفاريت الوهم…!!

أحمد وهبي

… نولدُ مهجوسين بمطارداتٍ غريبةٍ.. تظلُّ تُلاحِقُنا في الحياة. لستُ أدري ماهيةَ هذا المُطارِدِ للبشر، لكن، يحدث أن يجيءَ معنا ويمضي. أيضاً، أجهل إن كان يعبرُ وجودَنا للبقاء.
لغريبٌ اهتمامي بهذه المسألة. سمعتُ عنه في الصِغر.. بأنّهُ قرين النفس، لا أشعرُ به، لا أعيرهُ أيَّ اهتمام، المسألة لدي.. تقبع في الضمير، في الوعي بإعمال العقل، بإهمال الترّهات ونظريات التحريض والفتن، ولا إسقاطَ لروحانيةِ كلٍّ منّا، تصير أكثرَ قيمة في الروح الجمعية المتماسكة.
ولأنّها حكايتُنا، أذكرُ أشباحَ الليل، كيف تتهافت من كلِّ جانبٍ وصخرةِ وشجرةِ صنوبر. تلك الليالي، كنّا نعبرُ حرجَ الصنوبر من خيط محاذاته الأسود للشارع العام.. إلى الضفة الأخرى، حيث تتحوّل الأغصانُ مكانسَ للساحرين وللساحرات، والأوراق الصنوبرية.. كشَعرٍ أشعثٍ منكوشٍ يشي بأشكالٍ وتهيؤاتٍ مرعبة، هكذا دواليك في الذهاب والإياب، ومن ينجح في اختبار الشجاعة، يُصَفّق له، يُعمّد ويُتوّج بألقاب الفروسية والبطولة، تعلو ثغرَ البطلِ ابتسامةٌ صفراء، والعينان تدوران تفنيداً للأهوال، وتبديداً لها في آن، حالٌ كنّا نقع فيها.. في ليالي العواصف والأنواء الزمهرير، لا تُنسى أصوات رياحها، تتشبّثُ بمفاصلنا، بفواصل الوقت والخطو والاضطراب.
بعد زمن، وعَيْنا عِلّةَ الموروث الشعبي، كيف أُسْقِطنا في التوهّمات.. تحفر في الوعي، تأكل في الروح، تحيا على الضعف.
على جناحِ سِراجٍ خيالٌ يكادُ يخبو، ثمّ يطولُ فوق الريح.. عابراً تلك الأزقةِ بلمح البصر، لا يلتفت يمنةً أو يُسرى، من مسراهُ إلى بيتِ عمّةٍ أو عمٍّ، خالةٍ أو خال، جارٍ على جاري العادة لأخذ نفس. حالٌ.. بالضبط كما تُصوِّرُ المُخَيَلةُ، قبل الولوج.. من عامٍ إلى عام، حكايةُ الشجاعةِ الضَروس، يتردّدُ أولادُها في حمأةِ الأساطير، ثمة وجوهٌ مخيفةٌ مشوّهَة، أيادٍ تَخِيلُ شواهدُها حتّى انقطاع الأنفاس.
تلكمُ الليالي.. كانت على قنديلٍ ومصباح، وبعض الشموع.. خيالاتٌ بقرونٍ وسواطيرَ وسياط، مَن يذكرُ تلك القصيدة في كتاب الإنشاء العربية، أذكر منها « أنا عِفريتٌ.. أنا نِفريتٌ، أقطع أُذُنَك..».. مَن يُنقذُني من ذاكرتي، تلك، هناك.
تُلاحقُني عفاريتُ القصيدة أو الاستظهار، من مؤلِّفها إلى ناشرِها.. إلى مُتًلَقّيها، ولا وقايةَ من لعناتِ البعض من الأساتذة الأفاضل الساخطين، حين يتحوّل بعض الطلاب إلى كيس ملاكمة، أو حقل رماية لحروف المسطرةِ المُسَمَّنة؛ فتشقّ الحروف، تضيع في غياهب الرّعب، حتّى يكادَ.. يتجمّدُ ماءُ الأصلاب.
حين وقعتُ على طلابي إبّان احترابٍ وقتلٍ وتهجيرٍ ودمار، كنتُ لهم، لهن، الصديقَ، الرفيقَ، الأمين، لا مكانَ للأشباح والعفاريت، وبعض الشياطين الصغار، نريدهم كما هم، يقول الأديب الراحل بولس سلامة، يتوسّمُ فيهم الإبداع. ولا نكادُ نطلعُ من صندوق الفرجة، حتّى نقعَ في صندوقةِ الانتخاب القسريّ.. في صندوق الدّنيا، من هنا يطلع صوتٌ آخر.