طوابير …

أحمد وهبي

… كان ذلك الخيالُ بطوله الشمسيِّ، وإذِ انتصفتْ غزالةُ الصبح في كبد السماء، تهَدَّلَ بشيءٍ من المحوِ، وحارَ يمشي بلا هدف، يُحَدِّثُ نفسَهُ .. من ذا الذي يجرؤ على هضم خيالي بهذه البساطة المفرطة.
كان الطقس في خاتمة فصل الربيع، والسماء شبه خالية إلّا من بعض غيماتٍ شاردة، تتقافز كالأطفال، أو كطيورٍ تحاول اللحاق بركبها المهاجر.
وراح في حيْرَتِهِ .. يُمَرِّرُ أصابعهُ بين أفكارهِ المتراميةِ الأشكال، وتارةً بين فتحات سورِ حديديّ، كأنّما يقع على عزفِ منفردٍ، يكابد فيه حبسَ تذمُّرهِ، والأصوات الشاذّة تلاحقُ ترنيماته؛ فلا يزال يدفعها .. حتّى ندّتْ بارقةُ أملٍ لخيالهِ يستطيلُ بخفرٍ رويداً رويدا.
لكنّهُ الليل، وقد وقعَ عليه دفعةً واحدة، كما لو يكون تعرّضَ لهجومٍ جراديٍّ مُدَبّرٍ مع خفافيش الليل .. هجومٍ عن سابق إصرارٍ متجرّدٍ من كلِّ اعتبار.
ليلٌ يسمع فيه همسات الكواكب، حركةَ دورانها، خفوتَها ونهوضَها .. تضرب كالعُمّال الجادّين، الساعين لأرزاقهم، وبعض الأضواء تتبدّى أعماقُ روحهِ فيها، لا يحيدُ عن سرعتها، وقد ضربَ لذاكرتهِ مواعيدَ «القمرين» *.. وقد تجسّدَ له «الصَحْصَحان» * .. يتوهّجُ غُبارُها بحمأة الشُّهُب، تلك، المترونقة الواقعة في أرقٍ مقطوعِ عن مُدنِ الدقيق الأحمر.
يقول، غراباته عبر وسائل التواصل، البديل للعلاقات الاجتماعية، وسيلةُ الحَجْرِ المتقطّعةُ الأنفاس. كلُّ مجموعةٍ تفتحُ على أخرى، على حارةٍ، قريةٍ، مدينةٍ، كوكبٍ من دمٍ ولحمٍ وحروب.
حروبٌ .. كيف تلاقينا، جمَعَتْنا ملاحمُها وأساطيرُها، نتقافزُ حكاياتِها المؤلمةَ؛ فلا صهوَ نعتلي، سقطنا عن حُلُمٍ طويل المنامات والرؤى، وغرقنا في طوابير الخبز والماء والدواء والوقود، لا نصنع خيراً لأنفسنا.
زماناً، حين سمعنا بكلمة طابور .. كانت في السياسة عن الطابور الخامس، بعد حين تمّ اكتشاف الطوابير أعلاه، كي يكتملَ نِصابُ العدِّ من واحد إلى خمسة. لكنَّ أخطرَ طابورٍ يجري النقاش حوله في المنتديات كافّة، هو طابورُ الصامتين حتّى المَوات، وتلك الخيالات انحنت بأصحابها فوق قارعة الإنتظار.