سُقينا دمنا بجفونٍ لا ترفّ ..!!

أحمد وهبي

… وقد تنازلَ الوقتُ عن وقتهِ لزمنٍ مفتوحِ بلا وقت، وإنّ أعداداً مُسيَّرَةً تحاول تقصّي أحوالها غداً، اقتفاءَ آثارِها المُفترَضة. لكنّما في وقتنا سُقينا دمنا الساخن بجفونٍ لا ترفُّ، بدمٍ باردٍ كالقطب المتجمّد، ونفوسُ الخُبثِ تتوغّلُ في أعماقنا، وتلك الأمداء في شسوعها اتّساعُ الثقوب .. تتجاذبُ حركة الجسد؛ فنظلّ نلتقي تكراراً بوجوهنا، والرّغبة توّاقةُ ذائقتِها. في ما وبيدين مطَرِيتَيْ العطاء، تسعيان كأنّما لطفلٍ سيكون رسولَ ذكرياتنا، ولأنّهُ المُلهَمُ المُلهِمُ .. يتوسّطُ الفكرةَ، كلمةَ الثغر، حكمةَ اللسان، يشقُّ عليه كيف البشر يسيرون ، يسعون بلا حياة …
هناك ، عند جادة أهل الفن، احترافٌ يثير الإنتباه حتّى تكادَ الموقُ .. تطرحُ أثقالها، وتلك النصوص يحاولون ملأ فراغِها، فَرَاغَ ثعلبٌ بكلّ صدقٍ .. يلتصق بقاماتٍ محشوّة الفضول، وقد برز على غير وجهٍ، يستعير جزءاً من هذا وذاك، هكذا دواليك كمن استرعاهُ فداحة الشكل والمضمون، ثمة تناقضٌ لافتٌ؛ ولأنّهُ مكّارٌ كالوقت، انتضى أطرافَ الزمن كي يسترِقَ ما كان ، وما سوف يكون.
هاكَ، وبمحض نظرةٍ خاطفةٍ، سكنتِ الدُّنيا عن صخَبِها، وقد ألفيتُني فيها كنقطةٍ يتيمةٍ تدور حولها .. وحول كلِّ ما يدور من أمورٍ لدرجةِ فهمي لصمتها الحادِّ المعاني. وتابعتُ هوايتي المُفضّلة، هُنايَ .. في هذا الوقتِ السرمديِّ، أقلامٌ وأوراقٌ .. أفكارٌ عليَّ تتنزّلُ ، أفكارٌ ألقاها بعين الصيّاد، أفكارٌ تسعى لمن يلقاها بشغف، أفكارُ الأقدمين واللاحقين، أفكاري، الذي، ثمة رابطٌ ما بينها في داخلتي، أهزج بروح القصد لعوالمَ خفيّة، ولأنّي كونيُّ التشكُّلِ والمخاض، أبحث عنّي لوقتِ أظلُّ فيه .. لأزمنةٍ ليست بزمن، أزمنةٍ مجرّد بطاقةٍ ضوئيةٍ موازيةٍ لتلك العوالم المجهولة؛ وقد اكتشفتها، وانكشفت لي عبر سبرٍ ذاتيِّ الروح.
ولأنّها البصيرةُ الخارقةُ لِما وراء الزمن، وبينما أترسُّلُ رؤايَ، هناك، عند سِدرةِ المُنتهى .. وقد بلغتُها في ليلةٍ قدَريّةٍ كاملةِ الأوصاف، طوافٌ أرنو فيه إلى الماضي القريب والبعيد، كما يحملني إليَّ غداً كيف غدوتُ .. وأكون، حالٌ تسرمدتُها لحيواتٍ تتواصل بلا انقطاع. على الجهة المقابلة، ولكلِّ جهةٍ جهاتٌ لا نهائيات فيها، كأنّما رادارات استشعارٍ أمعنتْ كيف تُصَنِّفُ وجودي الماديّ، ثمّ أطيافُ أعدادٍ وحروفٍ مبهمة، لائحةٌ اتّخذَتُ شكلي الطيفيِّ، أدّعي فهمي لها، حيلتي الوحيدة ربّما، وصرتُ أبحث عن سجّلٍ ما، بعدما خُيِّلَ إليَّ أنّ باستطاعتي أن أُغيِّرَ الكثير من الأحداث التي مرّت بي، يا لها من فكرةِ ليست غريبة، كلُّنا يحمل كيفيةً ما .. لو يُغيِّرُ ولو بمقدارٍ في حياته، فكيف .. وأنّا ابتُلينا بما يفوق التصوّر.
لطالما نتقافزُ من حكايتنا الواحدة بحكايا لامتناهية، وهي مرايانا الوجوديّة، نتذاوبُ فيها تبختُّراً واختيالاً حتّى الإمّحاء، وحين تعصف بنا العواصفُ والأنواء، لا يسترعي الإنتباه كيف وقع الآخرُ والآخر عن حكايته، لا بل نزداد قوقعةً، نلوذ بأفكارٍ بالية، نقطع مع الآخر بصلفٍ وعنجهية، لا اعتبارَ لكرامةٍ جامعة .. وهي شخصيتنا الإنسانية. كرامتُنا نخلعها من أعماق الروح والوجدان، حتّى تتناثرَ أجزاؤها؛ فلا مرآةَ تجمع أجزاؤها لوجهٍ شُدَّ ببوتكس الإنكار والإنكسار.