رئيس الحكومة يستاء من شاحنة نفايات مفتعلة… وأما الأطنان المتراكمة فطبيعية!

دولة الرئيس تمام سلام
البلد ليس تمام…وعلى الدنيا السلام!

من باب الكاريكاتور، يجب أن يُسأل الرئيس تمام سلام بمرارة، على الطريقة التي يحبّ أن يطرحها النائب وليد جنبلاط: إلى أين؟
يستيقظ الناس في لبنان على شكوى الرئيس سلام من الوضع الراهن وأزمة النفايات، وينامون على تلويحه بالاستقالة… لأنه عاجز عن القيام بأي شيء للمعالجة.
يشاهد الناس رئيس حكومتهم، على التلفزيون، فيهرعون لعلهم يأخذون منه كلمة حقّ تقال… لكنهم يعودون بلا ولا شي كما يقول زياد رحباني، ومن دون لا حقّ ولا باطل!
الرئيس سلام يشكو ويقول: إذا استمرت الأزمة، فأنا سأتخذ موقفاً!
وهكذا… يبدو كأن سلام هو المواطن العادي، الذي يعاني من أزمة النفايات، فيما المواطنون هم المسؤولون عن هذه الأزمة. وكأن على المواطن أن يسارع إلى حلّ ازمة النفايات كي يرتاح المسؤولون، وليس العكس!
فهل هناك بلدٌ في العالم يعمد فيه المسؤولون إلى التعمية، كما هو الأمر في لبنان؟
وهل هناك بلد تجتاح نفاياته كل الشوارع، على مدى أشهر، وتدخل إلى المنازل والمدارس والمتاجر والمطاعم والمستشفيات، وتدخل الآبار الجوفية ومياه الشفة، ولا يشعر أحد بأن عليه أن يتحمّل المسؤولية؟
في بلدان العالم المتحضِّرة، يستقيل أي مسؤول فوراً لمجرد خطأ بسيط أو خلل في أدائه الوظيفي. وحتى في مصر الشقيقة، إستقال محافظ الإسكندرية قبل أيام، لأن عاصفة مطرية أغرقت عروس البحر وأوقعت خمسة قتلى في حوادث مختلفة.
وأما عندنا، وإن لم يسقط قتلى- لحسن الحظ- فإن التقارير الطبية تؤكد أن أضرار النفايات وانتشارها العشوائي وجراثيمها وأبخرتها الملوِّثة في الهواء والماء والطعام، على مدى أكثر من 100 يوم، تكلف الكثير من الضحايا، خصوصاً جراء الاصابة بالأمراض السرطانية وغيرها… ولكن بصمت.
فماذا ينتظر الرئيس سلام؟
هو يعرف منذ أن جاء إلى السراي أنه محكوم بالبقاء. في السراي، جاء سلام على طريقة مين خِلِق عِلِق، كما يقال في لبنان، فالداخل مفقود والخارج مولود. ومنذ اللحظة الأولى، كان على سلام أن يعرف أن مجيئه إلى السراي كان فلتة شوط وأما خروجه منها فهو ورقة يانصيب. وفي الحالين، ليس القرار في يده، لا بالدخول ولا بالخروج.
ولذلك، يُسأل سلام اليوم: لماذا تستمر بالتلويح بالاستقالة إذا كنت تعرف أنك ممنوع من تقديمها؟ فهل الأمر لمجرد الضغط. وإذا كان ذلك هو المقصود، فهل ما زالت تنفع ورقة الضغط هذه، بعدما بات مكشوفاً أنها مجرد ورقة غير قابلة للصرف؟
حكومة سلام نالت ثقة المجلس النيابي ب96 صوتاً، وهو رقم جميل… ويدلّ إلى التعاطف الكبير الذي تحظى به من مختلف الكتل النيابية.
وفي الحكومة اليوم، وزراء بارعون نرفع لهم القبعة لنشاطاتهم وإنجازاتهم غير المسبوقة أحياناً… فلماذا ينجح الوزراء منفردين وتفشل حكومتهم المجتمعة؟
١ – وزير المال علي حسن خليل ربما يحمل بجدارة مسؤولية هي الأثقل في تاريخ وزراء المال عبر الحكومات المتعاقبة.
٢ – وزير الداخلية نهاد المشنوق أثبت أنه الرجل المناسب في الوقت المناسب. وإذ يحظى بثقة الرئيس سعد الحريري الكاملة، يقوم المشنوق بدور يحتاج ربما إلى ثلاثة وزراء وأكثر ليستطيعوا القيام به. فهو وزير المرحلة بكل المعاني.
٣ – وزير الاتصالات بطرس حرب أثبت أن هذا القطاع قادر على الانتقال من مرحلة المعاناة إلى مواكبة العصر والتقنيات الحديثة.
٤ – وزير السياحة ميشال فرعون، لم يسبق أن شارك وزير للسياحة قبله، عن كثب، بعشرات المهرجانات والاحتفالات السياحية في الصيف اللبناني. لقد حاول وحيداً أن ينقذ الموسم من براثن الشلل والركود.
٥ – وزير الزراعة أكرم شهيّب، يتولّى الملف الأكثر خطورة في الوقت الحاضر، أي ملف النفايات، وقد أنجز خطة هي الأفضل، ولا بدّ من تقدير هذا الجهد بتنفيذها.
٦ – وزير الخارجية جبران باسيل، لم يسبق أن قام وزير للخارجية مثله بجولات عالمية بهدف شرح الواقع اللبناني، خصوصاً في ملف النازحين، وطلب المساعدة من المجتمع الدولي.
٧ – وزير التربية الياس بو صعب، رجل المهمات والملمات التربوية، الذي استطاع تمرير أزمات الإضرابات التربوية والجامعية من خروم الشبك.
٨ – وزير الإعلام رمزي جريج الهادئ الرصين، الواثق من إمكاناته كمحامٍ وكمسؤول.
٩- وزير الصحة وائل أبو فاعور، هو الأول في تاريخ الحكومات اللبنانية في فتح باب التصدي الحقيقي والعملي للفساد على أنواعه.
إذاً، حكومة تتضمّن هذا العدد من الوزراء الفاعلين، وتتمتع بصلاحيات واسعة هي صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة، والوسطيون فيها هم الأقوى والمرجِّحون للكفة، لماذا لا يستفيد منها الرئيس سلام وينهض بالبلد؟
إذا كان سلام يريد أن يسأل كل فردٍ هنا وهناك، وأن يحصل على رضى هذا وذاك لتنفيذ هذه المهمة أو تلك، وإذا كان سيبقى متردداً وخائفاً من المواجهة، فيما هو يحظى بدعم الرئيس سعد الحريري وتشجيعه، فماذا ينتظر إذاً غير المراوحة؟
آن الأوان أن يقوم سلام بخطوة جريئة، وهو ابن البيت السياسي التاريخي الذي فيه صُنِعت أحداث وتواريخ.
فليقْدِم الرئيس سلام قبل فوات الأوان.
فليُقْدِم قبل أن تمرَّ الساعة ويصبح فيها الإقدام عديم الجدوى.
الوقت في لبنان سريع جداً، والتحوُّلات الإقليمية إنقلابية وخطرة. وإذا لم يواكبها لبنان وحكومته بدينامية وجرأة إستثنائيين، فعندئذٍ لن يكون البلد تمام… وعلى الدنيا السلام!