دور النشر العربية سميرة عباس التميمي

دور النشر العربية

سميرة عباس التميمي

طموح كل أديب أن يرى جهده وثمرة موهبته مُكللاً بكتاب مطبوع في دار نشر معروفة ورصينة. لما سيُلاقي كتابه من إهتمام من ناحية المشاركة في معارض الكتاب العربي والدولي وعرضه في الواجهة, كما سيكون إهتمام بترجمته, نضيف إلى ذلك الإبداع في تصميم الغلاف وإخراج الكتاب من الداخل. بعبارة أخرى في الدار النشر الرصينة سيُلاقي المؤلف كل الإهتمام بمنجزه الأدبي .

 

من هذا المنطلق بدأتُ منذ فترة ليست بالقصيرة بالبحث عن دار نشر عربية جيدة , تقوم بطبع ونشر قصائدي في ديوان .

 

عندما كنتُ في العراق قبل عدة سنوات, وعن طريق الصدفة قرأت لافتة على إحدى البنايات إتحاد الأدباء والكُتاب العراقيين, فقررتُ بعد إتمام مهامي الشخصية , الدخول بغية التعرف على بعض النقاد والأدباء لإبداء الرأي بشأن قصائدي . لأنه أسعدتني قرآءة لأستاذ شاكر الخياط لعدد من القصائد المنشورة في موقع الحوار المتمدن .

 

وبالفعل إلتقيتُ بعدد من النقاد والشعراء وقد اعجبوا بقصائدي, ونصحوني بطبعها ولكني تريثتُ بشأن إقتراحهم لأني وجدت القاريء يستحق أن يقرأ اكثرمن إبداعي . فنحنُ نعيش في دوامة من الفوضى متمثلة بالحروب, وفقدان الأمان فنسمة حب من كلمة طيبة وقصيدة ناعمة, كفيلة بأن تُجدد الحياة في نفس الإنسان وتوقظ أحاسيسه الخاملة, فعلى نعومة القصائد ورقتها, تستفز الروح الخاملة بالحب فتتمرد على الواقع المرير الذي لايليقُ بالإنسان .

 

لهذا اضفت بقلمي الساحر عدد آخر من القصائد التي تُبهج نفس القاريء وتريح النفس القلقة, لتستأصلها من صخب الحياة, إلى مساكن السكينة والطمأنينة, حيث الكمال الذي يُجدد كل ذرة من كياننا , والملائكة التي تُجدد أرواحنا بالنقاء والحب. لنعود مفعين بالأمل وبالقوة لتغير الحياة بالحب والإنسانية .

 

لهذا بدأت بالبحث عن دور نشر عربية تليق بمستوى قصائدي وطموحي . وقد راسلتُ عدد من دور النشر العربية, وقد جاءني الرد من دار الفارابي اللبنانية, وقد أسعدني جداً, لما لدور النشر اللبنانية من باع كبير في النشر والتوزيع والترجمة وتفننهم في تصميم الغلاف .

 

وبالذات هذه الدار تأتي في المقدمة, لأنها أولاً قد تأسست منذ فترة بعيدة في عام 1954 ولها مشاركات كثيرة في معارض الكتاب الدولي والعربي والترجمة. فكنتُ واثقة من أن كتابي سيُلاقي الإهتمام اللازم من قبلهم.

 

بعدما جاءت الموافقة على طبع ونشر كتابي, كان هناك توقيع العقد والذي لفت نظري هو خلو فقرة تذكر فيها المدة المقررة التي بموجبها يجب طبع الكتاب وهذا ما أقلقني , فردوا عليّ شفهياً بأن المدة لاتزيد عن ستة اشهر . وبعد سؤالهم عن عدد النسخ التي أرغب بطبعها, خيروني ما بين خمسمائة نسخة أو ألف. إخترت وأنا في فورة حماسي للطبع ألف نسخة, حقيقة اخرى فاجأتني الدار بها من إنهم يريدون مني نسخة من جواز سفري !

 

وهنا بدأت جولات مكوكية من قبلي مع أصدقائي الكُتاب والأدباء في الفيس بوك لسؤالهم فيما إذا طُلب منهم نسخ من جواز سفرهم قبل أن يطبعوا كتبهم في الدور النشر العربية, فكانت إجابة الجميع بالنفي !

 

فوقعتُ في حيرة من أمري لماذا يردون مني بالذات نسخة من جواز سفري !؟ وهو مستمسك شخصي جداً وخاص بي !؟ بينما لم يطلبوا منهم مثل هذا الشيء . ولو كان كلامهم صادق, لماذا لم يدرجوا طلبهم هذا في العقد ؟

 

تساؤلات كثيرة دارت في رأسي, مما أضطرني أن أتصل بالسفارة اللبنانية للإستفسار منهم.

 

إلى أن بدأت إحدى الزميلات بتشجيعي لإعطائهم قصائدي والنشر في دار الفارابي .

 

فتم الإتفاق على طبع ألف نسخة مع إعطاء نسخة من جواز سفري ولكن للأسف لم يثبتوا في العقد المدة المقررة التي بموجبها سيُطبع ديواني كما طلبت منهم .

 

بعد فترة تواصلت معي إحدى موظفات الدار بشأن ديواني, لاحظت لهجتها الحادة معي , علاوة على ذلك كانت كثيرة المقاطعة لكلامي ! علماً إنها كانت تتصل بي حتى تسألني وأجيبها بما يخدم عملية طبع كتابي . أنا لم أجبر أحد على شيء وهم رضوا بطبع قصائدي, إذن أين المشكلة ؟ فبعد مرور عدة أشهر, وللأسف الشديد فُسخ العقد بسبب إنني أردت خط النسخ لقصائدي وأيضاً أبديت ملاحظة بخصوص سمك الخط مقارنة بسمك عناوين القصائد, كما وذكرتهم من إن مدة الستة أشهر على وشك النهاية !

 

وبالرغم من إنني بعثتُ لهم تهنئة بمناسبة أعياد الكريسماس ورأس السنة, إلا إنهم أصروا على فسخ العقد . تصوروا فسخوا العقد وكان كل شيء تقريباً منتهي وجاهز في ديواني !

 

حزنت جداً لأنه لكان قد طُبع كتابي الآن ولتنعمتُ بنجاحه . لم يأخذ مني الوقت كثيراً عندما راسلتُ دور نشر عربية اخرى, معظمها إعتذرت عن النشر بسبب ظرف الكورونا. ووافقت دار نشر مصرية إسمها ( دار المصري) على طبع قصائدي إلا انني وجدت مديرها أكثر حدة من موظفة دار الفارابي, لايعطي فرصة للكلام ولا للسؤال إلا وقد أزهق روحك أو فارت اعصابك. وفي النهاية قال نحن نطبع خمسمائة نسخة, واراد ايضاً نسخة من جواز سفري ! ولايعطي العقد !!!

 

مرة أخرى تجولت في مراسلاتي لدور النشر العربية لسؤالهم عن إمكانية الطبع عندهم, وكانت معظمهم تعتذر بسبب الكوفيد أو بملأ خطة الطبع والنشر لحين السنة القادمة !

 

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا يطلبون مني أولاً نسخة من جواز سفري ومن بقية زملائي العراقيين لا ؟ إذا كان لابد من إعطاء نسخة منه فليدرجوه في شروط العقد, وثانياً لماذا لايدرجوا مدة مراجعة الكتاب والإنتهاء من كل التفاصيل الأخرى الخاصة بالدقيق اللغوي والتصميم إلى حين طبعه وبالتالي نشره في العقد ايضاً . لماذا لايكون التعامل مع المؤلف أكثر نزاهة في تحديد عدد النسخ المراد طبعها بالذات إن كان الكتاب هو المطبوع الأول للمؤلف .

 

هناك فرق في النسخ التي عددها ألف والتي عددها خمسمائة وأخرى التي عددها فقط مئة .

 

ودار النشر يجب أن تكون جداً موضوعية ونزيهة مع المؤلف بعد قرآءتها لكتابه . في تحديد عدد النسخ المراد طبعها بناء على تقيمّهم للكتاب . لأنه أولاً واخيراً المؤلف سيدفع ثمن الطبع لا الدار, وهذا الشيء سيعرضه للخسارة في حالة عدم نجاح كتابه . لهذا فأفضل شيء هو الحال الوسط للكاتب المبتديء .

 

خلال بحثي لدار نشر عربية مناسبة وقعت عينيّ على كتاب من تأليف حفيدة صدام وكانت الدار هي الدار العربية للعلوم ناشرون . وبالصدفة واثناء حديثي مع أحد الأدباء العراقيين نصحني بمراسلة هذه الدار. فراسلتهم وطلبوا مني قرآءة القصائد وفي ظرف يومان بعثت لهم ملف قصائدي الكامل. لتجيء إجابتهم بسبب ظرف الكورونا لانستطيع طبع القصائد !

 

هل من المنطق والأدب أن يطلبوا مني قرآءة قصائدي في حال ان دارهم لاتطبع ولاتنشر بسبب ظرف الكورونا ! ليست النزاهة أن يطلعوا على ملف قصائدي وهم أساساً كما ادعوا لايطبعون .

 

عندما كنت أقرأ جريدة الراصد في بغداد, كانت تتحفني بجميل الأشعار والخواطر. صدقوني قلما كنت أتعرف على إسم كاتبها, لأن معظمها كانت من نتاج القراء, وكنت افرح عندما أجد إسم معروف كقيس بن الملوح أو قيس بن ذريح مكتوب تحت أحد أبيات الشعر .

 

جودة الكتابة يجب أن لاترتبط بإسم كاتبها, فقد يُبدع شخص لم نسمع بإسمه قط, فهل يجب على دور النشر حرمانه من إهتمامهم وعدم السماح له بالنشر فيه, بل والتعامل معه بصورة حادة لا تليق برهافة حسه كونه شاعر ؟

 

ونحن نعيش شعور عدم الأمان, وفقدان الحب وباتت عمليات الحساب والمحسوب هي الطاغية والمتحكمة في العلاقات بين الناس. لندع هذا الضوء الإلهي الكامن في لب قلوبنا وهو الروح أن يخط لوحات الإبداع, في الكتابة, في الموسيقى, في الرسم, في الغناء في التمثيل, في الفن عموماً وفي العلم . فقد جربنا دروس الطغاة المريرة ونتائجها الأليمة, وللأسف مازالت بعض دور النشر تروج لكتب عن اهم الدكتاتوريين في العالم وعوائلهم, والحنين إليهم , ويتخطى الأمر إلى عذرهم ! .

 

أنا شخصياً أعتبر هذا النمط من الكتب تدخل في دائرة الثرثرات والقيل والقال والرواج عنها لايُناسب إسم الدار الرصينة.

 

فهل نفضل هديل الحمام على اصوات غريبة تخدش آذاننا الموسيقية المرهفة وأرواحنا الحساسة والميالة لكل شيء جميل في هذه الدنيا والكون ؟