خيمة الأولاد

 

 

أحمد وهبي

 

… يدان تدلّتا من نافذةٍ بلا جدرانٍ وسقف، تمارسان لعبة التجذيف، وماذا هناك في فضاء القلق ..!!

لوهلةٍ لا تتعرّف المرايا على الوجوه. وجوهٌ سكنتها رغبة البكاء، ويصير الألم من ملامح الجمال، حتّى تقعَ ابتسامات الزمن الماضي في دهشة الحاضر.

بحركاتٍ جافّةِ الطين، ينشغل الجسد لطرد الكسل والخمول، لكنْ، المتمكّن منه، توترٌ عالٍ، كاسرٌ لمنطق الفيزياء، كأنّما ساعتهُ البيولوجية، عطشى تظلّ مهما ارتوت، ويقول في ليله .. “إروِ عنّي”، ذكرياتُ تتبخّر.

مع الوقت، كلُّ طرفٍ وعضوٍ وحركة، كمن يصطاد من روحه، من عقله وأعصابه، والرغبة إخضاعٌ لبراريها الأولى، حيث قبالة كلِّ الحياة، صورٌ تُطفأ، وأحاديث تدور في اللاجاذبية، وفناجين القهوة، وكلّ أصناف الكؤوس، وقد اتّخذت وضعية القتال أو الدفاع، وارتفعت الأغطية راياتٍ لكلِّ فمٍ جائع، حيث تتكور النَفايات في البطون الغرثى، والطيور .. لا ماءَ في الأنحاء؛ فاكتفت بعرق الأبدان والمسام، حين تتبدّل الجهات يقول آخر، والآخر عنه في المرآة، يهجس لا تذهب بكلّ عظامك، إترك منها بعض الأوتاد لخيمة الأولاد، ولا بأس بجلودٍ نيئة، وبعض موسيقى .. على الأرجح عودٌ أندلسيٌّ وعوّاد.

هناك، تحت تلك النافذة، أنتظر قمرَها، وكلّما بلغ اكتمالَهُ، يذهب بي استقراءً لكلماتِ أهمس بها تحت النافذة هناك. فوق غيمةِ فوق خيمةٍ عينان تتفحصّان المارّة، عنهما نلتقط بعض القطرات، بعضها، سقيتُها لكلماتٍ تحاول الحبوَ، وأطفال الحارة، كبروا بسرعة الضوء، يسهرون حول الفراغ والخواء، هذا اللاشيء .. كلّ شيء؛ فحملتنا أرجُلُ أمِّ أربعٍ وأربعين، بمحاذاة النافذة، لمساتٌ تقترب بأنفاسٍ أثقلتْ عليها أصوات القذائف، وعلى إيقاع القنابل المضيئة، كنّا نُدرِكُ الصرخةَ تلو الأخرى.

 

الليلة التالية، ليلتها هزّ شباكُ البدرِ انفجارٌ هائلٌ مرعب، المبنى ذو الطبقات التسع، حين هوى بمن فيه، تهاوت أنفاسٌ، نشيجها المتقطّع كصوت امرأةٍ على وشك الولادة. تلك الليلة، تصاعدت أرواحٌ لا تُحصى، كانت ولادتها المعكوسة.

في هذا السفر الطويل، اعترافاتٌ لأُناسِ مجهولين، ولا يجيدها غير قاصِّ طويل الباع. منذ أمدٍ بعيدٍ في الدّهور، لم يكُ الدّمُ لمرّةٍ محايداً. وحدات الدّم المطلوبة، تُذكِّرُ بغِلِّ وعبثٍ وجنون، عند ضوء الشمعة، يدٌ تمسح على الجبين، وعينان مرهقتان، وأنينٌ مرتفع الحرارة، حينها كان الوقتُ مكسوراً، مشرعاً للوحوش، ونافذة، تخافتت، اختلفت ملامحها، كانت وجوهنا ترتمي في مناماتٍ .. غيرها الأشلاء، وقد أمطرتنا بأطرافنا وأعضائنا، غير قلوبٍ تغطّ في خيمة الرماد، ولا شيءَ ممنوعاً من الصرف.

كان، كلُّ شيءٍ ينمو، المشاعر، الذكريات، الآلام، الأشياء .. إلّا البشر. ثمة سراحٌ مشروط لبعض الخبز والدواء والوقود، لكن، لا دماءَ عند محطات الوقود. لا شيء غير هياكل حديديةٍ متحرّكة وغير متحرّكة. زماناً، أحببنا الرسوم المتحرّكة والدّمى، كذلك الأصنام .. وإلّا لماذا هذا الخراب ؟ نموت ونظلّ أحياء، يا لها من معضلة.

يومٌ آخر في هذا الغياب، يومٌ آخر مباحٌ للتعبير عنه بواسطة الأسلحة والسواطير، يومٌ آخر للخيام، يومٌ آخر للبحث عن أشلاءٍ مفقودة، يومُ آخر للسفر، لتناول الطعام، للحياة والموت، يومٌ للقهر والخديعة والنفاق، يومٌ، ثمة يدان تتدليان من تلك النافذة هناك، يدان تحاولان ضمّي، لا أجهلهما مهما حييتْ.