خيالات ما قبل السكون

 

 

خيالات ما قبل السكون

 

أحمد وهبي

 

على موعدٍ مشترك، كان الشارع على عادة العابرين، والمشاهد خيالاتٌ يحتدُّ صخبُها، ثمّ تبدأ بالتلاشي، ولا بُدَّ من قاماتٍ مثقلة الأعوام، تتأرجح خيالاتُها كهوادج فوق ظهور الجمال، تعبر صحراءَ الدُّنيا بامتثالٍ لأوامرها، ولأنّها على نسغ الزمن، تأكلُ من أطراف الوجود، حتّى تأتي في ما بعد على حصيرة الجسد، أو كأنّما تنحتُ خيالاتٍ جديدةً، تروح وتجيء بلا عناء، تمارس رعونتها بلا شفقة أو رحمة، هي هكذا… صورة الخَلقِ حين يطلعون إلى الضوء.

 

يسعُها التكوّر والتنمّر، نتجرّعها بعيون العاشقين، بعيون اللذاذات، بعيون السماء حين تكفّهر. يحاول البعض في هذه الزحمة البشريةِ أن ينجو بخياله، على الأرجح ليس عن رغبةٍ، بقدر ما هي لعبةٌ واقعةٌ بين الخيال وصاحبه، والأصل في المشهدية… لا خلاف حولها، وكلّ ما حولها يقود إلى الجنون، والجنون شيءٌ من السِحر، والسحر مكنونات قديمة الاستمرار.

كثيرون يشعرون بخيالاتٍ غير مرئية، بمكانس تطلع من تلك الحكايا الذهبية المميزة، وقد قرّر أصحابها السفر عبر الأزمنة بلا رادع، هم كذلك منذ آلاف الأعوام والأساطير، كيف لنا أن نشُذَّ عنهم، وهم لا يقطعون صلةً بمسحور، بيائس، بحبيس الحاجة، بطالب الحُبّ، بالباحثين عن المال والجاه والولد، بطالبي الزعامة والوجاهة، من حينها لا وُجهة لشعوب الأرض، يتساقطون عن شجرة الحياة والإنسانية بلا طائل.

 

عند ضفاف المطر، قناديلُ السَهر، وقد فترَتْ عنها خيالاتُ المُتعَبين، فاستلَلْتُ يراعي برغبة القلب، وفي العين عين خيالي قبل دخولهِ سكون الأفكار.

هذا المساء، وقد تبدّى على غير عادته، ثمة شعورٌ بالقلق، تزداد وتيرته باتّساع العتمة. عتمة تكنس صخب النهار بجرعةِ زائدةِ الشخوص، تستقي الآهات والدّموع، تدفعُني، أمسحُ على وجه الليل بعباراتٍ… أظلُّ أنثرها لخيالاتٍ غير مرئية، أشعر بها، أحاورها، نقع في الجدل، نتقاتل…

عن مرثية اليقين، وقد وجدتُ على صدرها، حول جيدها الممنوع عن الصرف، وجدتُ ما لا يُرى، تعانقنا، تقاتلنا، تساقطنا في ليل شَعرِها مطر.

 

من يومها، اتخذتُ هيئتي، أعتلي تلك الأوقات هناك. هناك، ولدٌ يؤذّنُ المغيب، يقرع جرس الناذرين مشاعر التبتُّل، تسبقهم خيالاتهم بلا تثاقل، ولأنّها مفردة النوايا، وجب على الكهّان الخروج إلى الضوء… لا سِحرَ لدمائهم، في ينابيع الدِّنان… غُسلُ آلهة الأساطير، ومنافي الأوطان، حكايا الآلام، شعوبٌ تبحث عن شموسها وأقمارها، شعوبٌ تلدها الحروب، شعوبٌ مغلولة الخيالات، والزنازين في العقل، في القلب، في الروح… أربع رياح المعمورة.

 

منتظرون في فوهات القذائف، وركام المرايا كأجنحة “جبران” المتكسّرة. زماناً، حملتُ عليها، لعلَّ تجمع وجهاً، يداً، قدماً… تقدّمنا في تلك العتمة من الزمن بمهابةٍ، والقذائف المتساقطة تحت ضوء القمر، حسبناها احتفاءً بخروجنا بلا خيالاتٍ وظلال، مشوارٌ طويل السنين، لم تكن ضوئية. طابعات الأبعاد السحيقة، دون جدوى… أن تستعيدَ خصلةَ شعرِ، لحظةَ إصغاء، صورةَ عينِ، نفسَ طفلٍ، غرابةً كاملةَ الهشاشة لعظامٍ… لأنامٍ أضربوا عن المثول أمام شمس الواقع والحقيقة.

 

فوق عقارب السّاعة. السّاعةُ الثامنةُ… مساء الطلقة الأخيرة. ولدٌ يمارس الروليت الروسية، وهي ضربٌ من ضروب الحظِّ، يتداخل فيها، ويتقاطع الواقع بالإفتراضي، النفس وأطوارها، العقل وأحكامه، سوء الحال وأوهامها. والولد قابضٌ على الوقت، ليس له أن يُخطئ، وإلّا وقع في أبعاد أوتار الأكوان، وهذا الأمر مثيرٌ ومُعقّد، والوقت ليس هو، عناصر الموت والحياة في احتدامٍ رافضِ الاختلاف، ولأنّه حكايته، يبحث عن جذوره في الحياة، يتعلّقُ بعالمه الأوّل، وغربة الروح تأكل من مِنسِأتهِ، حتّى قالتِ الجآن… لو كنّا نعلم.

من يومها، حين غادرنا دنيانا هناك، اختلفتِ الفصولُ والمواقيت، ولم يَعُدْ للأحلامِ ظلالُ الروح والشغف، والألوان غدت لوناً واحداُ، فصلاً بلا زمانٍ ومكان، وقد غادرتِ الخيالاتِ البهجةُ والبراءةُ، والحكايا لذاتها، لم تعُدْ آمنة من الغدر، والحشود كشريطٍ سينمائي… تكرارٌ لمشهدِ مؤلم. وما كان… آليتُ أن يستريحَ الزمان من صولاتنا وجولاتنا، حتّى من خيالاتنا هنا وهناك.