خلوة الحوار: صحوة إصلاحية متأخرة

خرجت جلسة اليوم الثاني من خلوة عين التينة، عن السياق التقليدي الذي اتخذته نقاشات طاولة الحوار الوطني على مدى 20 جلسة سابقة، الى درجة ان بعض الحاضرين فوجئ بمناخها «المعتدل»، واعتبر ان الحوار الحقيقي بدأ بالامس فقط.
وقد اختصر أحد المشاركين في الجلسة المشهد بالقول: «لعل الروح القدس حلت على المتحاورين، فأصبحوا فجأة حكماء وإصلاحيين».
وبينما كان النقاش يتمحور، في اليوم الأول، حول السلة المتكاملة، تحول مرة واحدة، وبجدية غير مسبوقة في اتجاه آخر أوسع مدى، يتجاوز المواقف «المحنطة» حول الاستحقاق الرئاسي وقانون الانتخاب، ليحاول فتح كوة إصلاحية في كتلة «الباطون المسلح» التي ترزح تحتها الدولة ومؤسساتها.
أما «التعويذة» التي فعلت فعلها على الطاولة، بعد الاستعانة بكتاب الطائف، فكانت الآتية: انشاء مجلس شيوخ للطوائف استنادا الى قواعد القانون الارثوذكسي، بالتزامن مع انتخاب مجلس نواب وطني.
يلحظ نص اتفاق الطائف تأسيس مجلس الشيوخ بعد اول مجلس نيابي وطني يُنتخب خارج القيد الطائفي. بالامس، تقدمت الـ «مع» على الـ «بعد»، فصار المجلسان عبارة عن مسارين متلازمين.
ولكن، ماذا لو كانت نسائم التفاؤل التي تسربت من عين التينة عابرة، وهل من عوامل موضوعية يمكن ان تؤسس لخرق حقيقي في جدار الازمة، والى أي درجة تستطيع «شياطين التفاصيل» ان تعبث بالتقاطعات العامة التي ظهرت أمس، وماذا إذا تعارضت التفسيرات لمفهومي مجلس الشيوخ ومجلس النواب اللاطائفي؟
صحيح ان النقاش الذي جرى في اليوم الثاني للخلوة كان شديد الاهمية، تبعا لانطباعات أغلبية المتحاورين، لكنه يبقى من دون قيمة عملية إذا لم يصل الى نتائج واضحة، وبالتالي فان التجارب علّمت اللبنانيين ان الامور في خواتيمها، وحتى ذلك الحين، يظل الحذر مشروعا وضروريا.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا الواقع، عبر عنه قطب سياسي مشارك في الحوار، بقوله لـ «السفير» ان الصورة التي افرزتها النقاشات هي أشبه بناطحة سحاب جميلة يجري تصميمها على الورق، لكن لم يتم بعد المباشرة في بنائها، والمحك يبقى في انتقالها من الجانب النظري الى الارض.
وأبرز الاشكاليات التي تواجه الحوار حول الطرح الاصلاحي المقترح هي التوافق على مقاربة موحدة للآليات التي ستُعتمد في انتاج مجلسي الشيوخ والنواب، وسط تعدد في الاجتهادات، يُخشى معه ان تضيع الفرصة الجديدة السانحة للتفلت من براثن الازمة.
والاختبار الادق في هذا المجال، يتعلق بتفسير معنى انتخاب مجلس وطني للنواب، خارج القيد الطائفي، علما ان الامر الوحيد المتفق عليه هو الابقاء على المناصفة، أما جرعة النسبية وحجم الدائرة فهما موضع خلاف.
ومع ذلك، فان الرئيس فؤاد السنيورة أعطى إشارات إيجابية أولية فاجأت خصومه الذين سجلوا له مرونته في التعامل مع المعادلة الاصلاحية المقترحة، وقابليته للتوسع في البحث فيها، بعدما كان «تيار المستقبل» من أشد المتحسسين حيال صيغ من هذا النوع، قد تقود وفق حساباته، الى تعزيز حضور المكونات الأخرى في النظام.
ولكن موقف السنيورة لم يمنع المرحبين به من طرح التساؤلات الآتية: هل هذا الموقف نهائي ام عابر؟ وما هي دلالاته إذا صمد؟ والى أي حد يعبر عن قناعة مستجدة لدى «المستقبل» بأنه من الأفضل تطبيق «الطائف» حرفيا، لضمان بقائه واستمراريته ولو تطلب ذلك بعض التنازلات، بدل التطبيق الاستنسابي الذي قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يهدد على المستوى الاستراتيجي بسقوط الاتفاق والنظام الذي بُني عليه.
أما المفاجأة الأخرى التي باغتت بعض أطراف 8 آذار فجاءت من الحليف.
«انتظرناها من السنيورة.. أتت من باسيل»

«انتظرناها من فؤاد السنيورة فأتت من جبران باسيل». قال مصدر بارز في 8 آذار لـ «السفير»، موضحا ان وزير الخارجية أوحى خلال المداولات بانه يربط الموافقة على ثنائية المجلسين بإقرار مبدأ إجراء انتخابات رئاسية وفق المعيار المطروح من قبل «التيار الوطني الحر»، والمتمثل في وجوب انتخاب الرئيس المسيحي القوي، وصاحب الحيثية التمثيلية الاوسع في بيئته، «بينما كان من الافضل لو ان باسيل التقط اللحظة الإصلاحية المفصلية التي سنحت أمس، للبناء عليها والخوض في تطوير النظام السياسي ككل، خصوصا انه يحمل شعار التغيير والإصلاح، مع الأخذ بعين الاعتبار ان تنفيذ أي اتفاق محتمل يجب ان يبدأ من انتخاب رئيس الجمهورية».
وفيما اعتبر بعض أطراف طاولة الحوار انه لا يجوز تنفيذ إصلاحات دستورية جوهرية في ظل غياب رئيس الجمهورية، شدد الرئيس نبيه بري على ان أي تفاهم اصلاحي قد يحصل على طاولة الحوار لن يُقر في مجلس النواب، قبل انتخاب الرئيس، وذلك حماية لحقه في ابداء رأيه والطعن في ما لا يقنعه.
وفي انتظار ما ستؤول اليه مداولات الجلسة الثالثة والاخيرة من الخلوة، أبلغ قيادي في 8 آذار «السفير» ان المتحاورين باتوا امام اختبار مفصلي للنيات، بعدما اقتربت الامور من لحظة الحقيقة، على وقع النقلة النوعية التي سجلت البارحة فوق رقعة «الشطرنج الحواري».
ولفت القيادي الانتباه الى ان هناك فرصة حقيقية لإحداث إصلاح عميق في بنية النظام، تحت سقف الطائف، آملا في عدم تفويتها، ومشيرا الى ان المحك لنيات الفريق الآخر، لاسيما «تيار المستقبل»، يكمن في الموافقة على اجراء انتخابات نيابية متحررة من القيد الطائفي وفق النسبية الشاملة، ضمن المناصفة، بالتزامن مع انشاء مجلس شيوخ انطلاقا من التمثيل الطائفي لكل المكونات اللبنانية، على ان يناط به التصدي للقضايا الاساسية، ومن بينها بعض البنود التي يلحظ الدستور انها تحتاج الى أكثرية الثلثين (ومنها على سبيل المثال: اعلان حالة الطوارئ والغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، قوانين الاحوال الشخصية).
وأكد القيادي ذاته ان تحقيق تقدم في هذا الاتجاه سيُطلق دينامية من شأنها تسهيل معالجة التعقيدات التي لا تزال تمنع انتخاب رئيس الجمهورية.
السنيورة لـ «السفير»: الكنز تحت أقدامنا!
وسألت «السفير» الرئيس السنيورة عن تعليقه على أجواء التفاؤل التي شاعت بعد انتهاء اجتماع طاولة الحوار البارحة، فقال: نحن امام محاولة لاستشراف مخارج من ضمن الدستور، بدل ان يكتفي كلٌ منا بالاستمرار في التمترس خلف طروحاته. حزب الله متمسك بمرشحه الرئاسي ميشال عون ونحن متمسكون بموقفنا المعروف ونرفض ان يُفرض علينا رئيس، ولا يبدو ان أحدا منا بوارد التراجع، فلماذا لا نفتش عن طريقة تفكير جديدة، قد تكون منتجة.
واضاف: ما هو مطروح، ان نسعى الى فتح كوة في جدار المأزق، عبر مجلس الشيوخ الذي يرمز الى إعجاز النظام اللبناني وقدرته على ابتكار التوازنات والضمانات. ربما يكون الكنز تحت أقدامنا، فيما نحن نفتش عنه بعيدا. دعونا نستكمل هذا المسعى بجدية، على قاعدة إقرار مبدأ تأسيس مجلس شيوخ يريح الطوائف، لعل ذلك يسمح بمقاربة مغايرة ومتقدمة لقانون الانتخاب، ويهمني أن أوضح ان كل الافكار قابلة للنقاش، وعقلنا منفتح، لكنني لم التزم بالنسبية المطلقة، والمسألة الوحيدة المتفق عليها هي تثبيت المناصفة في مجلس النواب الذي سينتخب على اساس وطني.