حزب العمال يجمع قواه ويوحد سياسته استعداداً للانتخابات

سياسة الامر الواقع فرضت تفاهمات لكنها تبقى حبراً على ورق طالما الحزب خارج الحكم

بقلم بيار سمعان

مع نهاية الاسبوع الماضي، انهى حزب العمال مؤتمره الوطني السنوي في ملبورن، واعطى المجتمعون انطباعاً ان التفاهم الداخلي والتوافق على سياسة الحزب كانت سائدة رغم عمليات المقايضة التي سعى اليها بيل شورتن وجناح اليمين معه لأبرامها مع جناح اليسار المتمسك بثوابته السياسية.
لكن الجناحين يدركان في العمق ضرورة عدم الوقوع في مطبات الماضي، لا بل ضرورة تخطيها، اذا اراد الحزب ان يخوض المعركة الانتخابية المقبلة وهو موحد الصفوف ومتماسك بخطوط سياسية وبرنامج واضح يوافق عليه اغلبية العمال.
لكن قادة العمال يدركون ايضاً ان الافكار الجيدة والطروحات الشعبية تبقى حبراً على ورق وكلاماً جميلاً اذا لم يتمكن حزب العمال من الفوز في الانتخابات والوصول الى تأليف حكومة تنفذ التوصيات وتحقق التفاهمات التي توافق عليها المؤتمرون.
اما الحقيقة الاخرى الثابتة فهي ان جناح اليمين في حزب العمال لا يمتلك الاغلبية ليفرض شروطه وسياسته على الحزب. لهذا ارغم بيل شورتن على تقديم تنازلات لليسار في الحزب لتمرير برنامجه السياسي.
وبدا ذلك في اكثر من طرح تقدم به بيل شورتن الذي يدرك ان فشله في المؤتمر يعني نهاية دوره في زعامة حزب العمال وتنحيه من موقعه او توقع انقلاب عليه، خاصة بعد ان انخفضت شعبيته كرئيس وزراء مفضل نتيجة لآدائه السيء عندما ادلى بشهادته امام المفوضية الملكية التي تبحث في سوء ادارة نقابات العمال واتحاداتها في استراليا.
لذا ارتبط مستقبل بيل شورتن بمدى نجاحه في تحقيق اجماع ولو بالشكل. ولهذا ارغم شورتن على تقديم التنازلات في عدة امور وقضايا  طرحها، ومنها ما يلي:
 اعادة قوارب طالبي اللجوء
يعتقد معظم المحللون ان القاعدة الشعبية العمالية فوجئت بطرح بيل شورتن حول اعادة قوارب طالبي اللجوء من حيث اتوا، كما تفاجأ العديد من مؤيديه وكل اليسار من العمال. ليس فقط لحدة هذا القرار بل لأنه جزء هام من سياسة حكومة آبوت التي طالما عارضها العمال تحت ستار غياب الرحمة ومخالفة الاعراف الدولية وقساوة هذا القرار غير الانساني. فبين ليلة وضحاها قرر العمال تبني هذا السياسة التي طالما عارضها العمال.
ان مجرد طرح هذه السياسة  لضرورة حماية الحدود يعني اموراً عديدة في قاموس السياسة المحلية: انه اعتراف بصواب سياسة الحكومة واقرار ان سياسة العمال قد فشلت في الماضي وسوف تكون فاشلة مستقبلاً في معالجة مشكلة لاجئي القوارب. ولقد اقر بيل شورتن بنفسه بذلك كما تبنى الاعذار التي طرحتها حكومة آبوت لتبرير هذه السياسة.
فبيّن شورتن المخاطر التي يواجهها اللاجئون الذين يغامرون بحياتهم للوصول الى استراليا، كما اقر ان هذه السياسة اوقفت بالفعل تدفق طالبي اللجوء واستعادت كرامة البلاد التي استباحها مهربو البشر واللاجئون واندونيسيا التي تسهل عبورهم وانطلاقهم نحو استراليا.
ربما ادرك بيل شورتن في قرارة نفسه ان معظم الشعب الاسترالي اصبح يؤيد حكومة آبوت ونجاحاتها في وقف موجات اللاجئين وعلم ان محافظة الحزب على سياسته القديمة  لن يلقى تأييد الناخبين وهم قد اختبروا سياسة حكومة العمال السابقة وفشلها الذريع في منع وصول القوارب. فكانت وسائل الاعلام الاسترالية غير قادرة على احصاء عدد القوارب التي تصل بشكل منظم وعجزت حكومتا كيفن راد وجوليا غيلارد عن وقف تدفقها رغم العروض المالية الضخمة والمساعدات المختلفة التي قدماها لاندونيسيا.
ادرك بيل شورتن ان التمسك بهذه السياسة يعني دون شك بداية الفشل. غير انه سعى ان يتمايز عن حكومة آبوت فرفع من «كوتا» اللاجئين الى 27 الف بدل 14 الف تسمح به حكومة آبوت.
وسعى شورتن من خلال ذلك الىارضاء اليسار العمالي وتسجيل تقدم على حكومة الإئتلاف  واظهار الوجه الانساني لدى العمال الساعي الى ارضاء القاعدة  الشعبية واغلبيتها من المهاجرين الجدد.
 زواج المثليين
اما التنازلات الاخرى التي قدمها بيل شورتن واليمين العمالي كان حول الخلاف على قضية الزام العمال بالتصويت لصالح مشروع قانون زواج المثليين كما سعت نائبة زعيم المعارضة تانيا بليبرسيك . وهذا الرأي لا يوافق عليه شورتن لاسباب عديدة اهمها اتخاذ الحزب موقفاً لا يحترم الديمقراطية والرأي الآخر، والزام الحزب بمقررات لا يرضى عنها العديد من الناخبين، والظهور بمظهر المتطرف الذي يسعى الى تحصيل حقوق اقلية من المواطنين  (2 بالمئة) على حساب اغلبية الشعب الاسترالي، رغم مشاعر اللامبالاة لدى معظم الاستراليين حيال هذا الموضوع.
وباعتقادي ان شورتن ارغم على قبول شروط اليسار العمالي بضرورة الزام الحزب في سنة 2019 على التصويت بالاجماع لصالح هذا المشروع، وهنا يرتكب العمال خطأين .
الخطأ الاول يناقض التبريرات التي روجوا لها حول احترام حرية الرأي في الحزب، وهذا حق ديمقراطي وقانوني. فالالتزام منذ اليوم بضرورة التصويت لصالح زواج المثليين سنة 2019 يعني التزام الحزب العلني بهذا القرار وفرض موقف على من يعارضونه لاسباب ايمانية عقائدية والاعلان المسبق ان  طرح قانون المشروع في البرلمان سوف يفشل بعد جمع الاصوات المؤيدة له.
فالحس الديمقراطي المغيب منذ الآن يعني ان الغاية تبرر الوسيلة، وان هدف شورتن المرحلي هو الظهور للاعلام والرأي العام ان قيادة حزب العمال استطاعت خلال هذا المؤتمر ان تخرج موحدة الصفوف، ومتمسكة بسياسة يجمع عليها اعضاء المؤتمر، وان حزب العمال هو على استعداد لخوض معركة انتخابية لاستعادة الحكم.
لكن الحقيقة التي يخشاها كبار حزب العمال ان كل هذه البرامج والطروحات ستبقى  حبراً على ورق اذا لم يتمكن العمال من الفوز في الانتخابات وان حظوظ العمال بالفوز لا تتوقف فقط على مبادئ وطروحات سياسية، لأن اية خضة امنية داخلية او اي عمل ارهابي داخل استراليا سوف يدفع الناخبين ان يتنانسوا كل هذه الطروحات الجميلة، لأنهم اصبحوا مقتنعين ان حكومة آبوت هي السباقة في مكافحة الارهاب والسباقة في وقف تدفق قوارب اللاجئين، والسباقة في معالجة ازمة الديون التي خلفتها الحكومة العمالية اعباءً على كاهلهم.
فالامن بالنسبة للاستراليين هو اولوية اليوم والارهاب هو  ما يثير مخاوفهم. لكن للاسف الشديد تناسى المؤتمر العمالي ان يتطرق لهذه المسألة التي تحولت الى همّ عالمي اليوم .