حتّى الآن ..

بقلم / احمد وهبي 

حتّى الآن، كأنُما سكنتِ الأشواقُ أو تكاد قبل أن يحدثَ اللقاء ..!!

لكنّها، مشاعرُ وأحاسيسُ الأكثر غرابة، كلّما تتضاعف، أمشيها آلامي، وليس من فراغٍ بين الأفكار، والأشياءُ حكاياتٌ وذكريات، تتحوّل أحياناً إلى حنينٍ .. يُطلِقُ سراحَ اللحظات، ينهبُ الرؤى إدماناً، تنضمُّ لمجموعة الأوراق خلاياها، تتشكّلُ مجرّاتُها، بين حينٍ وآخر تنفلش عن مرايا مصحوبةِ الدّهشة، وبعض أزرارٍ عن خيوط الشّمس، بعض ضحكاتٍ غير مرئية، نعثرُ على براعمها تنمو بأضوءِ الشّفاه، نسمع ألوانها تُشَقشِقُ في الروح، في العيون، في أصباحٍ وأماسي تُظَلِّلُ خيالاتٍ .. تتقاطرُ من أوقاتٍ خلَتْ، نستقبلها بسكينةٍ وقلق، بحفاوةٍ لا يتلامسها غير كائن.
في رُكنٍ كينونيِّ الكُحل، كلماتٌ تشقُّ الصفحات البيضاء، في اوّل السطر، حين يبداُ نهارٌ جديد، أنتظرها تجفُّ، ينعقدُ حُلوُها، يختمر نبيذُ مِدادِها، وفي الأسحار، أسرارٌ هزيعيَّةُ الشغف، تنفلتُ حواشيها عن بكرة لمعانٍ معطوف البرايا والحنايا، وتلك التوهة اللذيذة الطعم، عزفٌ من أرومة دقيق الجلود.
أولئك، مدمنو الأساطير، لا يكتفون، يسدّون ترامق الأطراف، عند حصيرتها، أولادٌ يستحضرون سلالاتِ السَحَرة، ينثرون ألعابيهم بفتنةٍ ودهاء، كبيرُهُم، يروم عسل النحل، تأبى ملكتُها الخضوع، يجِنُّ، ويجِنُّ الليل والحُرّاس، يُطلَقُ في الأبوان والأبعاد نفير الحرب، للأسى يتداعى الخَلق.
أتذكّرُ تلك الردهة، حين جُمِعَ في أصغر بيضةٍ في الوجود عوالم الجِنِّ والإنس، ولتحسين النسل، تمَّ القبض على أفكار علماء الشرق .. تنحو للغرب، وخلال الفوضى تُحرَقُ كُتب الإبداع، تُرمى أماكن الحياة بكراتِ المنجنيق الناريّة.
أتذكّرُ حارات الأهل .. ترمي أمهاتنا العدوَّ بالزيت المغلي، تغلي البراكين، تفور، تُلقي بأحمالها.
قريباً لدرجة الانصهار أروح وأجيء، أختار منها في ما بعد أشكالاً للزينة، لكنّ قلباً احترقَ في قلبي وانصهر، لكنّ دماً على اختلاف الأعراق، يمتدُّ، يجري في عروقي، لكنّ أفكاراً أتناولها غِذاءً روحيّاً، لكنّي، في كلّ التفاصيل، أُلملمُ ما وقع عن فم السّماء.
كنتُ، حتّى الآن، ومَن كان يقع حواليَّ، أرفعُ عن الوقتِ المُدَمّى لحماً انفرى عن لحمي، عظاماً تناثرت عن عظامي، أصواتاً في داخلي .. التحمتْ لا تُفارق.
كان لدي أحلامٌ يافعةُ الصور، تفرك خرطومَ الدّنيا، تنكشف رؤوسها شراسةً ورُعباً، ومَن قَدِرَ يتخطّفُ عنها بعضاً منه، قضى كثيراً وعاش.
عن مواعيدَ فاتت، حملتُ مِبخرةً قرينةَ «سَكْبَةِ الرصاص» لدفع العين والحسد، وبإثاراتِ مُخرِجين، صدَرتْ أفلامهم بالأبيض والأسود، كانت ثورة سيكام بألوان قوس قزح.
ثمة، عند قوس العدالة نازحون من قرونِ ودهورٍ طَوال، تدِلُّ تهويماتهم على حدوثٍ قريبٍ مباشرٍ وبعيد.
هناك، عند دكّانٍ قديمة، خيالاتٌ طفوليّةٌ كما تركناها ذات ليلةٍ أعتمتْ على المطارح، كنّا نركضُ في أنفاقها والأماكن تُطوى كطَيِّ السِجِّل. كانت قوارير العطر طبيعية المنابت، والحضارات تأكل نفسها حين يتحكّم بها الجوع، حينها، نكتشف أنُنا ولائم وحشيّة مهما كانت البشرية حضَرية. وبأنّي في كلّ الهجرات منذ الأزل، ولبديهيةٍ فاغمةِ التأوّه، اتمطّى فاعماً أجساداً رقيقةً شفّافة، لها طول إصبع السبّابة، وللإبهام تقوّسٌ نافد السهام. أمام أشجار الصنوبر تساقطت ممرّات الحياة، واتّشحتْ الأحراج برمادِ دمٍ وأنين، عليها بعض آثار مَن سجدوا إلى الأبد.
حتّى آني، لمّا أزل معلّقاً بليلةٍ تلو ليلةٍ حتّى الصباح، وقد توسّطَ خِنجرٌ يماني زنار فارسِ من بلاد ألف ليلةٍ وليلة، وقد التمس من زمنٍ سيجيء بعد ألف عام .. قنبلتيْ هيروشيما وناكازاغي، وغيرها .. نمَتْ جثثُها بلا هوادة. كنّا نتقدّم حتّى الآن، حتّى لقاءاتٍ معقودةٍ بلا دراية، هي أقدارٌ غرائبية، تحتاج لقدراتٍ عاليةٍ لإيضاح العناصر فيها، وطوابير السند والهند حتّى شمسٍ أخناتونيّةٍ تتأنّى، ولا يابسةَ لأرواحٍ غزيرةٍ تتلّوى بغرائز أكوانها، ويدُ الماءِ مَدٌّ وجزرٌ.
ماءٌ يتسلّقُ كسنجابٍ شجرةَ عيد الميلاد، حُلُمٌ يدلِفُ تحت الغطاء، في قعر برتقالةٍ خضراء، أقمارٌ صغيرةٌ نعتصرها حين تكتمل، وما يتساقط عن حويصلات قمم النسور، بذورٌ حريريّةْ الملمس، يأكل منها المُضرِبون عن الطعام، والسجّان ثقيل الظُلمة، يمكث بين الأوداج لأجل وُلاةِ الأمر، بيْنا طيورٌ ناريّةٌ منقرضة، تحومُ في فضاءاتنا حتّى الآن.