حتى آخر الضوء

 

 

حتّى آخرِ الضوء

 

أحمد وهبي

 

 

سأمضي حتّى آخرِ الضوء، كي ألتقي بقلبي في صدرها.

ولزمنٍ آخر، خبّأتُ قلبي في البروق، ولسوف ألهو بشمسٍ تدانتْ في راحتيَّ، وأُداعب أهدابَ الريشةِ، حتّى ألقى بقلبي، وقد امتلأ… حتّى تناهى الشروق، والصلوات انجدتني، وانكرتني المنايا، وعلى شفا الوجودِ عدمٌ يستصرخُ الحياة، أخفاها قلبي لزمنٍ لسوف أحياهُ، هاك، خبّرتني الرؤى.

 

يوماً تلوَ قلبٍ ونار، وهذا التسّهُدُ مطرٌ وحيدٌ في مقلتيْ، سِفرُ قلبي… وقد أضناهُ القدرُ، وبسخاءٍ إلهيٍّ، أرفعُ من بين الحطام مجرّةَ قلبي، أعدو بها، وبعضها تراءى لي في دمي، وإنّني أنثرُ لجُجَي، بأنّي إسمي مَن… وقد “أثخنته” الجراح، وما انحنى لغير قلبٍ كسير.

 

لقبسِ الياسمين هذا القلب، والسرُّ المكفوف النبؤات، إلهةُ الخصبِ، الحُبِّ والجمال، وما سكنتُ… أنّ هذا القلب لي، وهو قوْتي وقوّتي، أن روحي لإلهِ الخلق، وأنّي حياةٌ من حيوات، وما انبسطَ أو يدور… من قلبِها، أحلامي التي تتحلّق بلذائذِ الشَهْدِ… وأشهدُ حالي كيف أكون بلا قلب، أشهدُ كم أحبّها، فإنّني أُقدّمُ قلبي لها، على طبقٍ من الهوى والورد، ولمّا يزل يخفق، ينبضُ، يَعْمُرُ بحمدِ الربّ، وما طاردني من ذنوب الخلق… ليس ذنبي، إنّما حزني عليهم، لوعتي، أبثّها للرحمن… لأجل هذا إلانسان السائر بلا قلبٍ… بلا حب.

 

كنتُ موقِنَ النجاة، وأنّ المشاعرَ الهائمة في العتمة، قد طهُرَتْ من رجسِ الضآلّين، وأضرمتٌ هوى قلبي برعشات الوجل، فهوتْ بدويِّ الآلام، ويداي تُمسكان بالمحارق، عينايَ… تترامقان نظراتٍ، ينثني نورُها بشغاف قلبي، وأنا على حيِدِ الفتن، أجذّف بروح الحياة، وفوق رأسي رعبٌ، وتلك الدروبُ ارتجافٌ واقتمار، فارتجفت روحي بروحها… حبيبتي، ألقاها في تلك الظُلّةِ… وقد شقَّ النّورُ لنا، لهذا الحبِّ… يجمع بيننا عبر الزّمن في صورة الحياة.

 

تتواربُ النظرات، كهذا الغروب القديم، ولأنّهُ الغريب، يُمسكُ بالدّخان من المِعصم، بالخيالات ليشيّد بها تلك القعدات العامرة، بذاك اليوم الأخير، وقد أثقلَ الّلهبُ على المصابيح، فعبرنا على عجلٍ ليلاً بعد ليل، والخيل المسوّمة، فوق صهوها نجومُنا، وقد نثرت كلمات المجلّدات، وانفجرت لها الملاحم والأساطير، وعهدُنا أن لا نتركَ قطرةَ عرق، أن نسعى بتلك النفحات، وهذا اليبابُ مجرد قلمٍ رصاص…

 

بدأ كلُّ أمرٍ منذ زمنٍ طويل، ولا ترتاحُ الأفكار، تلك التي سيقت بعجالة العبور إلى حياةٍ أخرى، ورؤى تنساب من سديم الغياب. وتلك الكلمات… كائنات الحدقات، أصواتها تكتب، ترسم تآلقَ الوداع، هم، أبناءُ الوقت، كيف يَشغَلُ المطارحَ، يتوارى بين الأنفاس، بين شراع السفين واليقين… من أبوابٍ، وعتباتٍ مختلفة، والأحجية لعبة الحياة والموت، لا فرقَ، أستيقظُ من نومي كما أوّلِ مرّة…

 

ملأتَ لي يا قلبُ دروبَ المُنى، لأنّهُ العشقُ يغوي، فأسلستُ قمراً متوّجَ الأوراق، وتضاحتْ أيامي بأولادِ الأصيل، والمطر يستقي مصابيحَ دمي، فقلتُ، هاك، عطرُ جسدِها في رأسي، والضجيج يغري السكون، فهل يكفي النومُ فوق الماء، وأن أحلمَ باكتشاف روحي، فأنتِ أصلُ الحياة، والحاضر المكتنف الأبعاد، لهذا الزّمن معنى الحبّ…

 

تنأى بي خطاي، وقلبي هنا ما بين البحر والعين، يصيبني دوارُ البحر، وإذا ما اعتمت مسافات، نزعتُ عنها تلك العُصابة الدانية الأطراف، وأسلستُ للندى أمري، وقد حزمتُ عمري بما يثير السابلة، وعرّجتُ على الملائكِ… كيف يُخلقون، وكدتُ نسياناً كيف أنّي مخلوقٌ ضعيف، وأنّ في الموت حياةٌ، أنّي في المرايا أقرأ وجهي، وبأنّي بعيدٌ عن دياري، وحيدٌ في هذي الحياة، والحنين يبعث على البؤس، وهذا الكتاب أبيض الصفحات… فأصختُ للماكثين في الّلامكان وجعي، يعاودُني بانشراحٍ وانسياب، بكلماتٍ اتجرّعُ مرارتها، ولمّا أزل أمضي إلى أبي منذ سنين عجاف، وكان على سفرٍ آنزمنٍ، كنّا معاً… وكنّا بعيدين في مكانين مختلفين، يطوف بي حول البيت العتيق، وكان… كان الرفيقَ والصديق.

 

الفجرُ، عمرٌ جديدٌ، أملٌ، حلمٌ ينهض عن الوسادة.

الفجرُ، ثوبٌ يتجدّد، لقاءاتٌ مرتّبة وعفوية، مصادفاتٌ تمنحنا ذكرياتنا.

ونترك وراءنا هواجسَ ميْتة، ويبقى معنىً رائعاً… مباركَ العبارات والملح والخبز، ولأنّهُ الفجر، تطيب قعدات القهوة والجريدة، وهاتي الخواطر… نتبادلها بحُب.

 

الصلاةُ، فعلُ إيمانٍ، كلماتٌ وخشوع، ولأنّي أحبُّكِ، قصيدتي إليكِ… صلاةُ العشقِ والحُبّ، رائعاً لامعاً يكون الهُيام، ويكون القلبُ موحشاً مقفراً بلا حُبٍّ… بلا صلاة، يحيا القلبُ بالحبِّ، يعمُرُهُ الإيمان، مَن كان بلا قلبٍ، كان غريباً في توهة الفوضى، مَن عاش بلا حبٍّ… وقضى، مضى بلا مغفرةٍ، أو معذرة…

 

قصيدتي، صلاةُ العشق. في قلبي عرفتُكِ، حملتُكِ، ولامسَ بوحي روحَكِ، وفي قلبي سوف تتذكرين… كيف أنتِ محبوبتي، يباركُكِ قلبي، وعيناي تضيئان، تفرحان لوقع ترانيم إسمك، الزهرةُ المُخبّأةُ في القلب، وعلى مدار العمر… صلاتي كلّما يحين الوقت.